المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صفحات من الثقافة والفكر العربى والعالمى


نسمـ،ــه
28-12-2005, 12:10 PM
اخوانى واخواتى


سوف ابدء من اليوم فى نشر صفحات من فكر وثقافة كتاب مشهود لهم سواء من العرب


او غير العرب


للننهل من هذا الفكر الرائع ولنجعل عقولنا متسعة لتقبل ثقافة الغير

بل ومناقشتها وابداء راينا فيما كتبوا



سوف انشر صفحة لكل كاتب وذالك كل ثلاث ايام حتى يكون لدينا الوقت


الكافى للاطلاع والمناقشة


انتظركم


مع ارق التحيات

نسمة

نسمـ،ــه
28-12-2005, 12:14 PM
الاولى




سيد قطب ....وموقفه من الفلسفة


بقلم عبدالله بن محمد المالكي
"...لسنا حريصين على أن تكون هناك (فلسفة إسلامية) ! لسنا حريصين على أن يوجد هذا الفصل في الفكر الإسلامي ! فهذا لا ينقص الإسلام شيئاً في نظرنا، ولا ينقص (الفكر الإسلامي) بل يدل دلالة قوية على أصالته ونقائه وتميزه..."

لقد كان المفكر الكبير والداعية الشهيد سيد قطب رحمه الله، نقطةً فارقةً في مسيرة الفكر الإسلامي المعاصر، ولا نبالغ إذا قلنا بأنه من المفكرين القلائل الذين كان لهم أثر في حركة التاريخ المعاصر خلال القرن الماضي، وقد شهد بذلك كبار الباحثين الغربيين .


وسواء اتفقنا أو اختلفنا معه، إلا أننا ينبغي أنْ نعترف بأن الفكر الذي أنتجه سيد قطب، لا زال مؤثراً في الصحوة الإسلامية، وفاعلاً في الجماعات الإسلامية المعاصرة باختلاف مناهجها ومشاربها، ولهذا اعترف الغرب ودهاقنة العلمانيين والليبراليين بخطورة فكره، وأثره العميق على الفكر الإسلامي المعاصر .


وسبب ذلك - من وجهة نظري - أنَّ سيِّد قطب - رحمه الله - لم يكن مجرد مفكِّرٍ يتعامل مع الأشياء المجردة فحسبْ، أو يكتب لمجرِّد أن يكتب، وإنما كان يكتب لهدفٍ وغاية نبيلة، كان يكتب ويحاول أن ينفخ في كلماته روح اليقين والسمو الفكري حتى تحيي القلوب الميتة، ويلهب عبارته بحرارة الإيمان حتى تتحرك النفوس الباردة .


لقد كان - رحمه الله - داعيةً مؤمناً بالله إيماناً عميقاً، يظهر ذلك من خلال عباراته الحارة، وكلاماته الحية، وأفكاره المؤثرة والمضيئة بنور القرآن .


لقد تأمل سيد قطب في حال البشرية المعاصرة، وما تعيشه من تيه وضلال، وركام الجهل والفساد، وأدرك أن السبب وراء ذلك هو البعد عن الدين الرباني الذي أنزله الله إلى البشرية ليخرجها من عبادة العباد والمادة والشهوات إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان والأفكار والفلسفات إلى عدل الإسلام .


إضافةً إلى أن أفكاره - رحمه الله - كانت متجسدةً في شخصيته، ومنسجمةً مع سيرته، ولذا لم يجد صعوبةً في أن يفتدي بحياته من أجلها، حين جاء وقت التضحية




تأمل وهو يقول:


"إن المبادئ والأفكار في ذاتها - بلا عقيدة دافعة - مجرد كلمات خاوية أو على الأكثر معانٍ ميتة !


والذي يمنحها الحياة هي حرارة الإيمان المشعة من قلب الإنسان !


لن يؤمن الآخرون بمبدأ أو فكرة تنبت في ذهنٍ بارد لا قلبٍ مشع .


آمن أنت أولاً بفكرتك، آمن بها إلى حدِّ الاعتقاد الحار ! عندئذٍ فقط يؤمن بها الآخرون !


وإلا فستبقى مجرد صياغة لفظية خالية من الروح والحياة !" .
لا أريد أنْ استطرد كثيراً فيما يتعلق بهذا المفكر الكبير، ولكنِ استوقفني كلامٌ له في كتابه الفذِّ (خصائص التصور الإسلامي)، عندما نقد الفلسفة وبين أثرها السيئ على العقيدة الإسلامية .


وغني عن البيان موقف الإسلام من الفلسفة، خاصةً الفلسفة الأرسطية الوثنية، المنسوبة إلى (المعلم الأول) أرسطو الذي كان يقول: (بقدم العالم، وإنكار البعث، ونفي علم الله بالجزئيات)، والذي فُتن به بعض المسلمين قديماً، وصار منهم من يقرر فلسفته ويدافع عنها، كابن سينا في المشرق وابن رشد في المغرب، وحالوا أن يمزجوا الشريعة (بالحكمة!) اليونانية، وكلام الأنبياء بكلام الفلاسفة .


إلا أنَّ الفلسفة ما زالت في العقل الإسلامي خارجةٌ عن العقيدة الربانية، مضادةٌ لها، يصعب المزج والخلط بينهما، لسبب بسيط ! وهو أن مصدر العقيدة الإسلامية هو الوحي الإلهي، ومصدر الفلسفة هو العقل الإغريقي الغارق في الوثنية، فكيف يتم الخلط بين الإلهي والوثني ؟!


ثم ساعد في ذلك - أي إبعاد العقيدة عن الفلسفة - جهود العلماء من أهل السنة في مواجهتها ونقدها وبيان فساد مقالات أهلها، والإفتاء بحرمتها وحرمة تعلُّمِها ونشرها بين الناس .


إلى أنْ جاء الشيخ مصطفى عبد الرازق، في بداية القرن الماضي، فقرر مصطلح (الفلسفة الإسلامية!) ودعا إليها، وأراد بذلك أنْ يردَّ على آراء بعض المستشرقين التي كانت تقول بأنه لم يكن لعلماء المسلمين دورٌ كبير في الفلسفة، وإنما كانوا مجرَّد نقلة وشارحين لتراث الإغريق، ولم يضيفوا شيئاً يذكر . فأراد الشيخ أنْ يكشف دور المسلمين في علم الفلسفة، وأن لهم جهوداً في تطويرها وتحويل مسارها، وهو يقصد بذلك تراث المتكلمين، الذين كان بينهم وبين الفلاسفة معارك جدلية في القضايا الإلهية .


ولكن المتكلمين - في الحقيقة - لم ينطلقوا في نقدهم للفلسفة من أصول المنهج الإسلامي الأصيل المستمد من الوحي ومن تراث السلف، وإنما انطلقوا من خلال أصولٍ عقلية تتعارض مع مقررات الشرع والعقل، كامتناع تسلسل الحوادث، وأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، وأنَّ ما قامت به الأعراض فهو جسم ونحو ذلك من الأصول الكلامية، فهم وإن كانوا - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - "قد انتصروا لدين الإسلام في بعض الجوانب، إلا أنهم قد أدخلوا على المسلمين شراً عظيماً، بما انتحلوه من علوم كلامية ومنطقية ذات أصول فلسفية، فأثارت الشبهات وأفسدت الكثير من الفطر والفهوم" . ولذا اعترف أساطينهم في أواخر أعمارهم (كالجويني، والغزالي، والرازي، والشهرستاني) بالحيرة والاضطراب، والخطأ في مناهجهم، والفشل في جدالهم .


ولهذا فإن الباحث يجد من نفسه قناعة راسخة بما صرح به أئمة السلف من قديم، وهو أن الفلسفة اليونانية وما نتج عنها؛ تراثٌ أجنبي، إغريقية النسب، وثنية المصدر، ليس لها علاقة بتراث الأمةِ العربيةِ المسلمةِ الموحِّدة، ولم يعرفها المسلمون الأوائل، ولم يؤْثَر منها شيءٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن الصحابة أو التابعين رضي الله عنهم .


وإنما تسربت إلى ثقافة الأمة من خلال الاحتكاك بألوان الحضارات المختلفة بعد الفتوحات الإسلامية، ومن خلال حركت الترجمة غير المنضبطة وغير المقننة في عصر العباسيين، إضافةً إلى أنَّ بقايا الفلسفة اليونانية كان لها مراكز تدرس من خلالها كما في الرها وانطاكية وحران ونصيبين وغيرها، تخرج منها كبار الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام .


وفي العصر الحاضر أصبحت حمى (الفلسفة الإسلامية) منتشرة في أغلب الجامعات والكليات الشرعية في العالم الإسلامي، وابتليت أغلب مناهج العقيدة الإسلامية بمباحث الفلسفة وعلم الكلام . فجاء الأستاذ سيد قطب - رحمه الله - فألف كتابه الفذَّ (خصائص التصور الإسلامي)، وأراد من خلاله أن يكشف الخصائص الكبرى للعقيدة الإسلامية، وهي: (الربانية، والثبات، والشمول، والتوازن، والإيجابية، والواقعية، والتوحيد)، وبين أن هذه الخصائص هي التي جعلت العقيدة الإسلامية تتميز كثيراً عن الفلسفة، ويصبح بينهما فارق شاسع هائل لا يمكن فيه الخلط والجمع .


يقول سيد - رحمه الله - في كتابه [خصائص التصور الإسلامي، ص : 10 - 17] :


1) "إننا نحب أنْ ننبه هنا إلى حقيقةٍ أساسيةٍ كبرى .. إننا لا نبغي بالتماس حقائق التصور الإسلامي، مجرَّد المعرفة الثقافية . لا نبغي إنشاء فصلٍ في المكتبة الإسلامية، يُضاف على ما عُرف من قبل باسم (الفلسفة الإسلامية) .. كلا ! إننا لا نهدف إلى مجرَّد المعرفة الباردة، التي تتعامل مع الأذهان، وتُحْسب في رصيد الثقافة ! إنَّ هذا الهدف في اعتبارنا لا يستحق عناء الجهد فيه ! إنه هدف تافه ! رخيص ! إنما نحن نبتغي (الحركة) من وراء (المعرفة) . نبتغي أنْ تستحيل هذه المعرفة إلى قوةٍ دافعة، لتحقيق مدلولها في الواقع ، نبتغي استجاشة ضمير الإنسان لتحقيق غاية وجوده الإنساني، كما يرسمها التصور الرباني، نبتغي أنْ ترجع البشرية إلى ربها وإلى منهجه الذي أراده لها، وإلى الحياة الكريمة الرفيعة التي تتفق مع الكرامة التي كتبها الله للإنسان، والتي تحققت في فترة من فترات التاريخ، على ضوء هذا التصور، عندما استحال واقعاً في الأرض، يتمثل في أمةٍ تقود البشرية إلى الخير والصلاح والنماء" .


2) لقد "وجد بين المفكرين المسلمين من فتن بالفلسفة الإغريقية - وبخاصةٍ شروح فلسفة أرسطو - المعلم الأول كما يسمونه، وبالمباحث اللاهوتية (الميتافيزيقية)، وظنوا أن الفكر الإسلامي لا يستكمل مظاهر نضوجه واكتماله، أو مظاهر أبهته وعظمته، إلا إذا ارتدى هذا الزي - زي التفلسف والفلسفة
وكما يفتن منا اليوم ناسٌ بأزياء التفكير الغربية، فكذلك كانت فتنتهم بتلك الأزياء وقتها
فحالوا إنشاء فلسفة إسلامية كالفلسفة الإغريقية، وحالوا إنشاء (علم الكلام) على نسق المباحث اللاهوتية مبنية على منطق أرسطو .


وبدلاً من صياغة (التصور الإسلامي) في قالب ذاتي مستقل، وفق طبيعته الكلية، التي تخاطب الكينونة البشرية جملة، بطل مقوماتها وطاقاتها، ولا تخاطب (الفكر البشري) وحده خطاباً بارداً مصبوباً في قالب المنطق الذهني .. بدلاً من هذا فإنهم استعاروا (القالب) الفلسفي ليصبوا فيه (التصور الإسلامي)، كما استعاروا بعض التصورات الفلسفية ذاتها، وحالوا أن يوافقوا بينها وبين التصور الإسلامي، أما المصطلحات فقد كادتْ تكون كلها مستعارة" .


3) "ولما كانت هناك جفوة أصيلة بين منهج الفلسفة ومنهج العقيدة، وبين أسلوب الفلسفة وأسلوب العقيدة، وبين الحقائق الإيمانية الإسلامية وتلك المحاولات الصغيرة المضطربة المفتعلة التي تتضمنها الفلسفات والمباحث اللاهوتية (البشرية!)، فقد بدتْ (الفلسفة الإسلامية) - كما سميت - نشازاً في لحن العقيدة المتناسق، ونشأ من هذه المحاولات تخليطٌ كثير، شابَ صفاءَ التصور الإسلامي، وصغَّر مساحته، وأصابه بالسطحية. ذلك مع التعقيد والجفاف والتخليط ..، مما جعل تلك (الفلسفة الإسلامية) ومعها مباحث (علم الكلام) غريبة غربة كاملة على الإسلام، وحقيقته، ومنهجه، وأسلوبه" .


4) "وأنا أعلم أن هذا الكلام سيقابل بالدهشة، - على الأقل – سواء من كثير من المشتغلين عندنا بما يسمى (الفلسفة الإسلامية)، أو من المشتغلين بالمباحث الفلسفية بصفة عامة .. ولكني أقرره، وأنا على يقين جازم بأنَّ (التصور الإسلامي) لنْ يخلص من التشويه والانحراف والمسخ، إلا حين نُلقي عنه جملةً بكل ما أطلق عليه اسم (الفلسفة الإسلامية)، وبكل مباحث (علم الكلام)،وبكل ما ثار من الجدل بين الفرق الإسلامية المختلفة في شتى العصور أيضاً ! ثم نعود إلى القرآن الكريم، نستمدُ منه مباشرة (مقومات التصور الإسلامي) مع بيان (خصائصه) التي تفرده من بين سائر التصورات . ولا بأس من بعض الموازنات التي توضح هذه الخصائص مع التصورات الأخرى، أما مقومات هذا التصور فيجب أن تستقي من القرآن مباشرة، وتصاغ صياغةً مستقلة .. تماماً" .


5) "منهجنا إذن أنْ نستلهم القرآن الكريم مباشرة، وألا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقاً، لا مقررات عقلية ولا مقررات شعورية من وراسب الثقافات التي لم نستقها من القرآن ذاته، نحاكم إليها نصوصه، أو نستلهم معاني تلك النصوص وفق تلك المقررات السابقة . لقد جاء النص القرآني - ابتداءً - ليُنشئ المقررات الصحيحة التي يريد الله أنْ تقوم عليها تصورات البشر، وأنْ تقوم عليها حياتهم، وأقلَّ ما يستحقه هذا التفضل من العلي الكبير، أنْ يتلقوها وقد فرَّغوا قلوبهم وعقولهم من كل غبشٍ دخيل، ليقوم تصورهم الجديد نظيفاً من كل رواسب الجاهليات - قديمها وحديثها على السواء - مستمداً من تعليم الله وحده، لا من ظنون البشر، التي لا تغني من الحق شيئاً .


ليست هناك إذن مقررات سابقة نحاكم إليه كتاب الله تعالى . إنما نحن نستمد مقرراتنا من هذا الكتاب ابتداءً، ونقيم على هذه المقررات تصوراتنا ومقرراتنا، وهذا - وحده - هو المنهج الصحيح" .


6) "ثم إننا لا نحول استعارة (القالب الفلسفي) في عرض حقائق (التصور الإسلامي)، اقتناعاً منا بأن هناك ارتباطاً وثيقاً بين طبيعة (الموضوع) وطبيعة (القالب)، وأن (الموضوع) يتأثر بـ (القالب)، وقد تتغير طبيعته ويلحقها التشويه إذا عرض في قالبٍ في طبيعته وفي تاريخه عداء وجفوة وغربة عن طبيعة الموضوع، الأمرُ المتحقق في موضوع التصور الإسلامي والقالب الفلسفي . والذي يدركه من يتذوق حقيقة هذا التصور" .


7) "إن العقيدة - إطلاقاً - والعقيدة الإسلامية - بوجه خاص - تخاطب الكينونة الإنسانية بأسلوبها الخاص، وهو أسلوب يمتاز بالحيوية والإيقاع واللمسة المباشرة والإيحاء .. الإيحاء بالحقائق الكبيرة، التي تتمثل كلها في العبارة، ولكن توحي بها العبارة . كما يمتاز بمخاطبة الكينونة الإنسانية بكل جوانبها وطاقاتها ومنافذ المعرفة فيها، ولا يخاطب (الفكر) وحده في الكائن البشري ..


أما الفلسفة فلها أسلوب آخر، إذا هي تحاول أن تحصر الحقيقة في العبارة، ولما كان نوع الحقائق التي تتصدى لها يستحيل أنْ ينحصر في منطوق العبارة - فضلاً عن أنَّ جوانب أساسية من هذه الحقائق هي بطبيعتها أكبر من المجال الذي يعمل فيه (الفكر) البشري - فإنَّ الفلسفة تنتهي حتماً إلى التعقيد والتخليط والجفاف، كلما حاولت أن تتناول مسائل العقيدة ! ومن ثم لم يكن للفلسفة دور يذكر في الحياة البشرية العامة، ولم تدفع بالبشرية إلى الأمام شيئاً مما دفعتها العقيدة، التي تقدمت بالبشرية على حدائها في تيه الزمن وظلام الطريق .


لابد أن تُعرض العقيدة بأسلوب العقيدة، إذ أن محاولة عرضها بأسلوب الفلسفة يقتلها ويطفئ إشعاعها وإيحاءها، ويقصرها على جانب واحد من جوانب الكينونة الإنسانية الكثيرة" .


8) "لسنا حريصين على أن تكون هناك (فلسفة إسلامية) ! لسنا حريصين على أن يوجد هذا الفصل في الفكر الإسلامي ! ولا أن يوجد هذا القالب في قوالب الأداء الإسلامية ! فهذا لا ينقص الإسلام شيئاً في نظرنا، ولا ينقص (الفكر الإسلامي) بل يدل دلالة قوية على أصالته ونقائه وتميزه" .




تحياتى

نسمة

همس الزيادي
29-12-2005, 12:33 PM
غاليتي نسمــة


طـــرح قـــوي ،، و موضوع راقي

لي عــودة لهذا النقاش القوي الرائع


دامـ عطاءكـ غاليتي


هــمــس

نسمـ،ــه
29-12-2005, 03:27 PM
انتظرك حبيبتى همس

تحياتى

نسمة

نسمـ،ــه
31-12-2005, 11:50 AM
واليوم احبائى نطالع لكاتب ليس عربى




في نص غريب:

ماركيز يكتب عن التهام الأدب ومزايا عصيان الأباء.

ترجمة وتقديم عبدالسلام باشا


اشتهر "جابرييل جارثيا ماركيز" نوبل 1982، بالكتابة الروائية وقام خلال العقد الأخير بإصدار مجموعة من الكتب هي إعادة طبع لأعماله الصحفية منذ بدايته صحفيا في كولومبيا، بالإضافة إلى الحوارات التي تجري في مدرستي الصحافة والسيناريو اللتين يديرهما في المكسيك. إلا أننا اكتشفنا له عملا مختلفا بعنوان (دليله لكي يصبح طفلا)، ويتحدث فيه عن التمرد والعصيان الذي يجب أن يعلنه كل طفل على إرادات الآباء وكيف أنه الحل الوحيد لاكتشاف الموهبة وتنميتها في بلده الأم (كولومبيا)، لكن الوصفة أو الإرشادات التي يضعها ماركيز يمكن أن تصلح للتطبيق على أي مجتمع في العالم الثالث... وهذا ما سنراه في السطور القادمة.


أتمنى أن تكون هذه التأملات مرشدا للأطفال لكي يجرؤا على الدفاع عن أنفسهم أمام الكبار فيما يخص تعلم الآداب والفنون. إنهم لا يملكون قاعدة علمية وإنما شعورية ـ عاطفية إن جاز هذا ـ ويعتمدون على مقدمة غير مقبولة: إن وضع طفل أمام مجموعة من الألعاب سينتهي به الأمر إلى البقاء مع واحدة منها فقط، التي تعجبه أكثر. أعتقد أن هذا التفضيل ليس مصادفة وإنما يكشف عن ميل واستعداد قد يمران على أبويه المشغولين ومعلميه المرهقين. أعتقد أن الميل والاستعداد يوجدان معه منذ الميلاد ومن المهم التعرف عليهما في الوقت المناسب والانتباه لهما لمساعدته في اختيار مهنته. والأكثر من هذا أنني أعتقد أن بعض الأطفال في سن معينة وفي ظروف معينة، تكون لديهم إمكانات خِلقية تمكنهم من النظر إلى ما وراء الواقع الذي يقبله الكبار. قد تكون بقايا قوة تخمينية استهلكها الجنس البشري في فترات سابقة أو مظاهر غير طبيعية من الحدس الكشفي لدى الفنانين خلال عزلة النمو والتي تختفي مثل الزائدة الدودية، عندما لم نعد نحتاجها.

أعتقد أن الطفل يولد كاتبا أو رساما أو موسيقيا. يولد بالميل، وفي حالات كثيرة، بالهيئة الجسدية المناسبة للرقص وبموهبة في الصحافة المكتوبة التي تعرف كجنس أدبي، وللسينما التي تعرف كتوفيق بين الخيال والفن التشكيلي. أنا أفلاطوني في هذا الصدد: التعلم هو التذكر. هذا يعني أنه عندما يصل طفل إلى المدرسة الابتدائية، ربما يكون لديه ميل طبيعي من قبل لإحدى تلك الوظائف، على الرغم من أنه لا يعرفها بعد. وربما لن يعرفها أبدا، لكن مصيره سيكون أفضل إن ساعده أحد على اكتشافه. ليس بإجباره على أي شيء بأي معنى من المعاني وإنما أن يخلق له أفضل الظروف ويشجعه على الاستمتاع بلعبته المفضلة. أعتقد وبجدية شديدة، أن فعل الإنسان لما يريد دائما، وهذا فقط، هو الطريقة المثلى لحياة طويلة وسعيدة.

ولكي أحقق هذه الفكرة الجميلة لا أملك أساسا سوى الخبرة الصعبة والإصرار على تعلم مهنة الكتابة أمام وسط مخالف وليس على هامش التعليم الرسمي وإنما ضده، انطلاقا من شرطين لا غنى عنهما: استعداد شديد التحديد وميل جارف. لا شيء يسعدني اكثر من أن تكون لهذه المغامرة الفردية فائدة ما، ليس لمتعلم مهنة الكتابة فقط وإنما لكل المهن الفنية.

الميل بدون موهبة

والموهبة بدون ميل
قال الكاتب الفرنسي جورج برنانوس: "كل ميل هو دعوة". (المعجم الحجة) الذي كان أول معجم تصدره الأكاديمية الملكية للغة الإسبانية في 1726 يعرف الميل بأنه:" الوحي الذي يدعو به الله إلى حالة معينة من الكمال". كان هذا إذن تعميما منطلقا من الدعوات الدينية. الاستعداد كما يعرفه نفس المعجم: "المهارة والسلاسة في أداء شيء معين". بعد قرنين ونصف لازال معجم الأكاديمية الملكية يحتفظ بنفس التعريفات بتصرفات طفيفة. وما لا يقوله أن ميلا غير خاطئ وعميق يصبح نهما وأبديا ومقاوما لأي قوى مضادة: القدرة الوحيدة للروح التي يمكنها هزيمة الحب.

الاستعدادات تجيء غالبا بمصاحبة مواصفاتها الجسدية. إن سمع أطفال كثيرين نفس النوتة الموسيقية، يستطيع بعضهم تكرارها بدقة وآخرون لا. معلمو الموسيقى يقولون إن الأوائل يمتلكون ما يسمى بالسمع الأولي، المهم لكي يصبح الإنسان موسيقيا. أنطونيو ساراساتي استطاع في الرابعة من عمره أن يعزف بفيولين لعبة مقطوعة لم يستطع أباه العازف الشهير أن يعزفها بفيولينته. رغم هذا يوجد دائما خوف من أن يقوم الكبار بتدمير هذه المواهب لأنها، أو لأن هذا ما يبدو لهم، بسيطة وينتهون إلى سجن أبنائهم في الواقع المحدود الذي سجنهم فيه آبائهم. صرامة الأباء مع أبنائهم الفنانين تكون دائما نفس الصرامة التي يعاملون بها أبنائهم الشواذ جنسيا.

الميول والاستعدادات لا تعيش دائما متجاورة. ومن هنا كارثة مطربين ذوي أصوات رائعة لا يصلون لأي شيء لانعدام التقييم، أو رسامين يضحون بحياتهم كلها من اجل مهنة خاطئة أو كتاب خصبين ليس لديهم ما يقولونه. فقط عندما يجتمع هذان الشيئان توجد إمكانية لحدوث شيء، لكن بفعل السحر: لا زال هناك التعلم، الدراسة، التكنيك وقدرة على التفوق طوال الحياة.

بالنسبة للقصاصين توجد تجربة ل تفشل أبدا. إن طلبت منهم مجموعة أفراد من أعمار مختلفة أن يحكوا لهم قصة فيلم، ستكون النتائج كاشفة. البعض يعبرون عن انطباعاتهم العاطفية والسياسية أو الفلسفية لكنهم لا يعرفون كيف يحكون الحكاية كاملة وبالترتيب. آخرون يحكون القصة بالتفصيل، كما يتذكرونها، واثقون أن هذا كاف لنقل الشعور الأصلي. الأوائل يمكن أن يكون بهم مستقبل لامع في أي مجال إنساني، لكنهم لن يصبحوا قصاصين. الآخرون لا زال ينقصهم الكثير لكي يصبحوا قصاصين ـ قاعدة ثقافية تكنيكية، أسلوب خاص، قدرة عقلية ـ لكن يمكنهم هذا.

هذا يعني أن هناك من يعرفون كيف يحكون قصة منذ يبدءون في الكلام ومن لن يعرفون أبدا. بالنسبة للأطفال تستحق هذه التجربة أن تؤخذ بجدية.

مزايا عدم طاعة الأباء

أُجري استفتاء قبل هذه التأملات كشف عن عدم وجود أنظمة قائمة في كولومبيا قادرة على الالتقاط المبكر للميول والاستعدادات، كنقطة انطلاق لحياة فنية من المهد إلى اللحد. الأباء غير مؤهلين لهذه المسئولية الخطيرة باكتشاف هذا في الوقت المناسب، وعلى العكس إن كانوا مؤهلين لهذا فلكي يقفوا ضده. الناس الأقل ثقافة يفرضون على أبنائهم دراسة مجال مضمون والاحتفاظ بالفن للتسلية في ساعات الفراغ. لحسن حظ الإنسانية يعطي الأطفال أهمية قليلة لكلام الأباء الخطير وأقل فيما يتعلق بالمستقبل.

لهذا يقوم من يملكون ميولا خفية بأفعال غامضة لكي يظهروها. يوجد من لا ينجحون في المدرسة لأنهم لا يحبون ما يدرسون، ومع هذا يمكنهم التفوق فيما يحبون إن ساعدهم أحد. ويمكنهم أيضا أن يحصلوا على تقديرات جيدة، ليس لأنهم يحبون ما يدرسون وإنما لكي لا يجبرهم آبائهم ومعلميهم على ترك اللعبة المفضلة التي يحملونها سرا في القلب. ومعروفة أيضا مأساة من يجبرون على الجلوس أمام البيانو في أوقات اللهو، بدون ميل أو استعداد، فقط لأن آبائهم يفرضون هذا عليهم. معلم موسيقى حيد فضح عدم الرحمة في هذه الطريقة وقال إنه يجب وجود بيانو في البيت، لكن ليس لكي يدرسه الأبناء قسرا وإنما لكي يلعبوا به.

نحن الأباء نريد دائما أن يكون أبنائنا أفضل منا، على الرغم من أننا دائما لا نعرف كيف. وحتى أبناء العائلات الفنية يعانون من هذا الهاجس. في بعض الحالات لأن الأباء يريدون لأبنائهم أن يصبحوا فنانين مثلهم والأطفال لديهم ميلا مختلفا تماما. في حالات أخرى لأن الأباء كان حظهم سيئا في الفن ويريدون حماية أبنائهم (الذين يملون إلى الفن بلا شك) من حظ مشابه.

ليس قليلا خطر أبناء العائلات البعيدة عن الفن الذين يريد آبائهم إنجاب ذرية تستطيع أن تكون ما لم يستطيعوا هم. على الطرف المقابل يوجد الأطفال المعارضون الذين يتدربون على الآلة خفية، وعندما يعرف الأباء يصبحون نجوما في اوركسترات شهيرة.

يوجد معلمون وتلاميذ يتفقون على رفض الطرق الأكاديمية، لكن ليس لديهم معيار مشترك لما يمكن أن يكون أفضل. الأغلبية ترفض الطرق السائدة لطبيعتها الصلبة واهتمامها القليل بالإبداع ويفضلون أن يكونوا تجريبيين مستقلين. وآخرون يعتبرون أن مصيرهم لم يتوقف كثيرا على ما تعلموا في المدرسة، بقدر ما توقف على الحيلة والعناد الذين كانوا يسخرون بهما من عقبات الأباء والمعلمين. عموما، صراع البقاء وافتقاد الحافز أجبرا الكثيرين على العزلة والجنون.

معايير التعليم شديدة التنوع. بعضها لا يقبل سوى بالحرية الكاملة وأخرى تحاول تقديس التجريب على إطلاقه. من يتحدثون عن اللانظام يعترفون بفائدته، لكنهم يعتقدون أنه يولد تلقائيا كثمرة لحاجة داخلية، ولهذا لا يجب الإجبار عليه. آخرون لا يعولون كثيرا على التكوين الإنساني والأسس النظرية لفنونهم. وآخرون يقولون إنهم تجاوزوا النظرية. الأغلبية، بعد سنوات من الجهد، يتمردون على غياب النفوذ وفقر الفنانين في مجتمع يرفض الطابع الاحترافي للفن.

ومع هذا، فإن أشد الأصوات حدة في الاستفتاء كانت ضد المدرسة كفضاء يقص فقر الروح الأجنحة فيه، وأنها صخرة أمام تعلم أي شيء، والفنون خصوصا. يعتقدون أن هناك تبديدا للمواهب بالتكرار اللانهائي للمقولات الأكاديمية الجامدة. بينما أمكن لأفضل الموهوبين أن يصبحوا عظاما ومبدعين لأنهم لم يكونوا مضطرين للذهاب إلى قاعات الدراسة.

"التعليم يتم من وراء ظهر الفن" هكذا يقال للمعلمين والتلاميذ المتفقين في الرأي. هؤلاء يبهجهم الشعور بالعزلة. المعلمون يأسفون لهذا لكنهم يقبلون أن يقولوه أيضا. ربما كان أكثر عدلا أن يقال إنهم جميعا على حق. لأن المعلمين مثل التلاميذ، وفي النهاية المجتمع بأكمله، ضحايا نظام تعليمي شديد البعد عن واقع البلد.

كيف تؤكل الآداب

نحن الكولومبيون وجدنا أنفسنا دائما بلدا مثقفا. ربما يعود هذا لأن مقررات الثانوية تتحمس للأدب أكثر من الفنون الأخرى. لكن فيما عد السرد التاريخي للمؤلفين وأعمالهم لا ينمون لدى الطلاب هواية القراءة وإنما يجبرونهم على القراءة وعلى كتابة ملخصات للكتب المقررة. في كل مكان أجد طلابا مثقلين بالكتب التي يجبرونهم على قراءتها بنفس المتعة التي يتناولون بها زيت الخروع. بالنسبة للملخصات لا مشكلة لديهم لسوء الحظ، لأنهم يجدون في الصحف إعلانات مثل هذا: (أبدل ملخص دون كيخوته بملخص الأوديسا). وهكذا نجد في كولومبيا سوقا مزدهرا وتداولا كبيرا للملخصات المصورة. وسيكون أربح لنا نحن الكتاب أن نضع الملخصات بدلا من تأليف الكتب.

هذه هي طريقة التعليم ـ وليس إلى هذا الحد التلفزيون والكتب الرديئةـ التي تقضي على هواية القراءة. أنا أوافق على أن دورة أدبية لا يمكن أن تكون سوى دليلا للقراء. لكن من المستحيل أن يكتب الأطفال رواية أو ملخصا ويعدوا عرضا تأمليا للأسبوع التالي. سيكون أكثر مثالية أن يخصص الطفل جزءا من عطلة نهاية الأسبوع لقراءة كتاب في المكان المتاح وحتى في الكان الذي يحب ـ هذا هو الشرط الوحيد لقراءة كتاب ـ لكن من الجرم بالنسبة له وللكتاب أن يقرأه قسرا في ساعات اللعب، و بالضيق الذي يؤدي به مهام أخرى.



تحياتى

نسمة

نسمـ،ــه
01-01-2006, 02:08 PM
اما من احد يشجع الثقافة

نسمة

نسمـ،ــه
12-01-2006, 11:58 AM
ونعود اليكم احبائى


ومع شاعر عربى




شعر محمود درويش



ايها المارون في الكلمات العابرة
احملوا أسمائكم وانصرفوا
وأسحبوا ساعاتكم من وقتنا ،و أنصرفوا
وخذوا ما شئتم من زرقة البحر و رمل الذاكرة
و خذوا ما شئتم من صور،كي تعرفوا
انكم لن تعرفوا
كيف يبني حجر من ارضنا سقف السماء

ايها المارون بين الكلمات العابرة
منكم السيف - ومنا دمنا
منكم الفولاذ والنار- ومنا لحمنا
منكم دبابة اخرى- ومنا حجر
منكم قنبلة الغاز - ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقص..و انصرفوا
وعلينا ،نحن، ان نحرس ورد الشهداء
و علينا ،نحن، ان نحيا كما نحن نشاء

ايها المارون بين الكلمات العابرة
كالغبار المر مروا اينما شئتم ولكن
لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة
خلنا في ارضنا ما نعمل
و لنا قمح نربيه و نسقيه ندى اجسادنا
:و لنا ما ليس يرضيكم هنا
حجر.. او خجل
فخذوا الماضي،اذا شئتم الىسوق التحف
و اعيدوا الهيكل العظمي للهدهد، ان شئتم
على صحن خزف
لناما ليس يرضيكم ،لنا المستقبل ولنا في ارضنا ما نعمل

ايها المارون بين الكلمات العابره
كدسوا اوهامكم في حفرة مهجورة ، وانصرفوا
واعيدوا عقرب الوقت الى شرعية العجل المقدس
!او الى توقيت موسيقىمسدس
فلنا ما ليس يرضيكم هنا ، فانصرفوا
ولنا ما ليس فيكم : وطن ينزف و شعبا ينزف
وطنا يصلح للنسيان او للذاكرة
ايها المارون بين الكلمات العابرة
آن ان تنصرفوا
وتقيموا اينما شئتم ولكن لا تقيموا يننا
آن ان تنصرفوا
ولتموتوا اينما شئتم ولكن لا تموتو بيننا
فلنا في ارضنا مانعمل
ولنا الماضي هنا
ولنا صوت الحياة الاول
ولنا الحاضر،والحاضر ، والمستقبل
ولنا الدنيا هنا...و الاخرة
فاخرجوا من ارضنا
من برنا ..من بحرنا
من قمحنا ..من ملحنا ..من جرحنا
من كل شيء،واخرجوا
من ذكريات الذاكرة
ايها المارون بين الكلمات العابرة!..

تحياتى

نسمة

نسمـ،ــه
12-01-2006, 12:29 PM
ادورد سعيدودور المثقف


أحسب أن الشعور بفقدان ادوارد سعيد حمل كثيرين على العودة, ولو بمقادير ولاعتبارات مختلفة, الى نصوص وأعمال المثقف والكاتب الراحل. وأحسب ان هذه العودة لا تخلو من لهفة غامضة لتفقد آثار الرجل, ولمعرفة ما عساها تكون وصية المثقف الكلي او الشمولي الذي كانه سعيد. غنيّ عن القول ان الوصية التي نشير اليها ها هنا, لا تتعلق بالوجه الشخصي والعائلي الحميم لحياته وسيرة الفقيد, بل بالحمولة الرمزية والمعنوية لتجربة ومسار المثقف النقدي كما جسدهما ادوارد سعيد طوال عقود من العمل الدؤوب. وهو فعل ذلك بأناقة روحية تثير الاعجاب. في هذا المعنى, قد لا يكون هناك وصية صريحة غير تلك التي كان في مقدور سعيد ان يلمح اليها بين مناظرتين او في ثنايا نص من نصوصه: لم اترك سوى ما كنته, وما اوقفت حياتي عليه.

لنقل ان غياب الوصية ليس سوى الوجه الآخر للإرث المفتوح, لما يحتمل الشراكة والصداقة والتفاعل بين غرباء يجتمعون بمقادير متفاوتة بطبيعة الحال, على ما هو اساسي في سلوك المثقف الحقيقي: التوثب النقدي والمنهجي المحصن معرفياً والذي يستلزم على الدوام تجديد وصقل الادوات والاسلحة الفكرية. وهذا بالضبط ما نقع عليه في كتابات ادوارد سعيد عموماً, وفي الكتاب الذي عدت اليه مؤخراً, في ترجمته الفرنسية الصادرة عام 1996 عن دار "سوي" في باريس على وجه التخصيص, اي الحامل عنواناً فرنسياً هو "حول المثقفين والسلطة", فيما يبدو العنوان بالعربية "صور المثقف" (بحسب ترجمة ناجحة للكاتب صبحي حديدي) اقرب الى العنوان الانكليزي الاصلي اي "تمثيلات (صور) المثقف". وقد يكون مفيداً ان نذكر بأن هذا الكتاب عبارة عن مجموعة نصوص مشغولة بعناية قدمت في صورة محاضرات لشبكة الـ"بي بي سي" عام 1993, وتدور كلها على وضعية ودور المثقف الحديث من خلال تناول المحاور الكبيرة والوجوه البارزة لنشاطه كما ينبغي ان يكون. ولكن قبل الحديث عن المثقف, يجدر بنا ربما ان نعود, ولو في صورة خاطفة, الى الكتاب الذي استهل به ادوارد انخراطه في المعترك الفكري والسياسي والثقافي, أي "الاستشراق". فمن المعلوم ان صدور الكتاب بالانكليزية عام 1978, وبالفرنسية عام 1980, ناهيك عن ترجمته الى العربية, اثار جدلاً ومناظرات ساخنة في اوساط مثقفة متعددة المشارب لا تقتصر على العاملين في حقل الاستشراق المترامي الاطراف والحافل بتنويعات وتنوعات كبيرة. وجهت انتقادات شديدة الى الكتاب وصاحبه, ولم تكن كلها صائبة, وان كان بعضها مصيباً في نقاط معينة. لقد عيب على سعيد, مثلاً, انتقائيته وعدم احترامه للتحقيب التاريخي, علاوة على اغفاله قسماً بارزاً من الأدب الاستشراقي, وهو تحديداً القسم الاكثر تجرداً عن الغرض كما هي حال الاستشراق, الألماني المتخصص (وهذا صحيح). على ان هذا كله لا ينتقص من قيمة الكتاب ومن شرعية المحاولة ونهجها, المستوحى من اعمال الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو كما يشير ادوارد نفسه, والقائم على تناول النصوص والاعمال لا بوصفها "وثائق" بل معالم وآثار تُستكنه دلالاتها عن طريق حفريات معرفية لا عن طريق التفسيرات والتعليقات الشارحة للنصوص. المناظرة التي اطلقها كتاب الاستشراق لم تكن خلواً من سوء الفهم. وهناك مستشرقون معرفون بالنزاهة تخوفوا من الطابع الاجتراحي النقدي الشامل للكتاب وتعريضه صورة الاستشراق, جملة وتفصيلاً, لمحاكمة ايديولوجية لا نهاية لها ويمكن ان تتوظف فيها اهواء ونوازع خطيرة. وهذا ما حمل مستشرقاً لا يرقى الشك الى نزاهته وتبحره, وهو مكسيم رودنسون, الى تدبيج كتاب حول تاريخ الاستشراق حمل عنوان "روعة الاسلام", في محاولة لالتقاط الاتجاهات الكبرى والمتباينة التي لامست تطور النظرة الاستشراقية, وهي محاولة مليئة بالمعلومات الدقيقة وغزيرة الفائدة. يمكننا القول, في هذا السياق, ان ما حصل لكتاب الاستشراق يذكر في بعض وجوهه بما حصل لكتاب ميشال فوكو حول "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" لدى صدوره, اذ اثار حفيظة عدد من المؤرخين الذين اعتبروا الكتاب عديم الصلة بشواغل وطرائق أهل الصنعة التاريخية وتعهد ادواتها المناسبة ومستلزماتها. ورد فوكو آنذاك بالقول بأنه سعى الى دراسة مشكلات ذات طابع معرفي - تاريخي وليس الى صوغ رواية تاريخية عن الجنون في اوروبا. ما تناوله ادوارد سعيد في "الاستشراق" كان شيئاً من هذا القبيل, اي اعمال الحفر في ادبيات ونصوص ساهمت في صناعة صورة "جوهرانية" عن الشرق, وعما يقابله, اي الغرب.

كان سعيد يعلم بأن المناظرة حول "الاستشراق" تركت, بعد خفوتها, بصمات وانطباعات قابلة للاستثارة مجدداً, في قوالب وحول مسائل مختلفة, وكان يعلم ايضاً ان الاتهامات الموجهة اليه لم ولن تتوقف, وفي مقدمها اتهامه بالظلامية وتسعيره الحرب الايديولوجية الشرقية الاسلامية ضد الغرب بقضه وقضيضه, كما لو ان النزاع يدور بين كيانين ثقافيين كليين لا جسور بينهما ولا صلات. مثل هذا الاتهام لا يخلو من تحامل وظلم, وان كان قسم من الأدب الاسلاموي الكفاحي استعان بكتاب "الاستشراق" لتعزيز طروحاته التبسيطية والاستغراق في حرب بين كيانين وهويتين محمولين على صورة أصلين طبيعيين لا يأتيهما التفاعل والتركيب والتبادل إلا على معنى الغلبة والإبادة. في "صور المثقف" يعود سعيد غير مرة الى هذه المسائل ليؤكد أن المجتمعات البشرية مركبة وأن مسارات الثقافة معقدة ومن الخطأ الشنيع اختزالها الى تعريفات مبسطة وجاهزة مثل "الشرق" و"الغرب".

في ثنايا تنقلاته البحثية بين أحوال ووضعيات المثقف, يبث سعيد اشارات عدّة تتعلق بتجربته الذاتية. فهو يشير في تقديمه الى ان احدى مهمات المثقف تقوم على كسر النماذج الجاهزة وغيرها من المقولات التي تختزل الفكر والتواصل. وقد عانى هو نفسه من هذه الأحكام المنمطة المسبقة. ففي مرات عدة, عاب عليه صحافيون ومعلقون كونه فلسطينياً, وهي كلمة مرادفة, كما نعلم, للعنف والتعصّب وقتل اليهود, ويشير سعيد في مواضيع أخرى من "صور المثقف" الى انه قرّر منذ أكثر من عقدين من السنين أن يبقى مثقفاً منفياً, وأنه يعلم بأن قدره هو أن يكون فلسطينياً يحمل الجنسية الأميركية, وقد ارتضى قدره هذا وقنع به, وإن كان يعلم أن الغربة مصدر شقاء لا قرار له. والمثقف الحقيقي في نظر سعيد, هو من يختار الهامشية والاقامة "خارج اللعبة", أي لعبة الدفاع عن المصالح الضيقة والأهواء القومية بما في ذلك نوازع أولئك الذين ينتسب اليهم, بشراً وجنسية وأوطاناً. ويعود سعيد الى أطروحتين بارزتين حول تعريف المثقف, الأولى للكاتب الايطالي انطونيو غرامشي الذي يميّز بين نموذجين للمثقفين, أحدهما يتعلق بالمثقفين التقليديين من أساتذة ورجال دين واداريين, والثاني يتعلق "بالمثقفين العضويين" المرتبطين مباشرة بطبقات اجتماعية أو بشركات تستعين بهم لتنظيم مصالحهم وزيادة سلطتها وتوسيع رقعة اشراقها. الأطروحة الثانية وضعها الفرنسي جوليان بندا في نهاية العشرينات وهي في عنوان فصيح: "خيانة الأكليروس" قاصداً بذلك المثقفين. فهؤلاء يمثلون, في نظر بندا, عصبة من الفلاسفة - الملوك الموهوبين والمثابرين أخلاقياً بحيث يشكّلون ضمير الإنسانية, والحال أن نصّ بندا هو بمثابة هجوم كاسح على المثقفين الذين تخلوا عن واجبهم أكثر مما هو محاولة لتحليل الوسط المثقف. ويلحظ سعيد بأن المثقفين يشكلون, بحسب بندا, فئة اكليروس متعلمة, وحفنة من المخلوقات النادرة التي لا تنتمي الى هذا العالم بقدر ما تنتمي الى الدفاع المستميت عن السنن الخالدة للحقيقة والعدالة. ومع أن سعيد يميل أكثر الى تشخيص غرامشي فإنه يعتبر محاولة بندا, على طابعها الرسولي والديني, حاملة لمفهوم عريض عن المثقف يبقى قوياً وجذاباً. ويخلص سعيد الى التأكيد على أن المثقف هو من يتمتع بالضبط بملكة التمثيل والتجسيد والتعبير عن رؤية أو موقف أمام جمهور معين ومن أجله. ولتدعيم مقولته عن اختصاص المثقف بصياغة وانشاء التمثيلات والتعبيرات, يعود سعيد الى ثلاث روايات لتورغييف وجويس وفلوبير, يحتل فيها المثقف وظيفة بطولية تسعى الى نشر الحرية والمعرفة الانسانيتين. وفي هذا السياق يغمز سعيد من قناة بعض فلاسفة ما بعد الحداثة الزاعمين نهاية الحكايات المؤسسة الكبيرة, مثل الفيلسوف الفرنسي ليوتار, الذي يصفه سعيد هو وأتباعه بالكسل وباللامبالاة. الى ذلك يعج "صور المثقف" بأسماء ونصوص كبرى تتعلق بالموضوع, من هذه الزاوية أو تلك, من نايبول الى ادورفو وسارتر وفيرجينيا وولف وريجيس دوبريه ووالتر بنيامين, وبعلماء اجتماع مثل رايت ميلز وغيره من الأحدث عهداً بالمناظرات والتحليلات المتعلقة بالمثقفين. وفي غضون جولاته البحثية هذه يبقى ادوارد متمسكاً باعتقاده بأن المثقف الحقيقي هو الذي يرتضي الهامشية, في معناها الايجابي, ويرفض اغراءات السلطة ومكافآتها, ويبقى على الدوام مدافعاً عن المقهورين والمظلومين, أفراداً ومجتمعات وشعوباً, من دون أن ينسب الى هؤلاء براءة أصلية تعفيهم أو تعصمهم عن الحاق الظلم بغيرهم في أوضاع مختلفة تاريخياً. علاوة على ذلك, يحفل الكتاب بتوغلات جزئية في الحياة الثقافية والسياسية, في أميركا والعالم العربي والإسلامي خصوصاً, ويفصح سعيد خلالها عن بقائه ثابتاً على المبدأ: من واجب المثقف أن يدافع عن الذين لا صوت لهم, ليس من جراء قدرية نازلة نزول الكارثة الطبيعية بل من جراء وضعيات وشروط تاريخية الحقت الاجحاف بهم, أياً كانوا. انتقادات سعيد لاتفاقية أوسلو وللسلطة الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات هي شهادة لمصلحة سعيد المثقف المتمسك بحق الشعب الفلسطيني في العدالة والوجود اللائق, سياسياً وثقافياً.

ما يسترعي الانتباه أكثر في محاولة ادوارد سعيد عن المثقفين, هو العودة المتحولة لشخصية الزاهد والعارف والممتنع عن مجالسة الملوك ومتاع دنياهم, والعودة هذه متحولة لأنها تتشكل داخل قوالب جديدة, دنيانية وعلمانية. وإذا كان لنا ان نلخص سلوك ادوارد المثقف فإن عبارة الزهاد الروحيين العارفين تصلح ولو مجازاً في هذا المقام: "ليس الزهد أن لا تملك شيئاً, بل ألا يملكك شي". فسيرة المثقف العالمي كما جسدها سعيد أشبه بقول مأثور, أو وصية, مفادهما ان المثقف العالمي أو المنفي ليس من لا ينتمي الى وطن, بل من يرفض ان يجعل هذا الانتماء مطية لتبرير الخطأ والظلم والجهل, ويستمسك بعالمية المعايير الحقوقية والأخلاقية وتساوي الناس كلهم ازاءها. ويبدأ هذا بمقاومة أكبر الأخطار التي تتهدد دور المثقف في زمن الشبكات الاعلامية, والاغراءات الدائرة على شراء الذمم, وامتهانها, نعني بهذا, مقتفين تشخيص ادوارد نفسه, خطر "الاحتراف" في مزاولة دور المثقف



تحياتى

نسمة

نسمـ،ــه
17-01-2006, 11:03 AM
ومن اخبار الثقافة والادب هذا الموضوع الممتع حقا





العروبة والإسلام‏

تعتبر هذه الثنائية من أكثر الثنائيات اضطراباً ومدعاة للاحتواء وذلك لارتباطها بالوضعية الدينية. فنحن إذا نظرنا إليها من خلال الفهم الاستبعادي والنافي، أي أن طرفي الثنائية ينفي بعضهما بعضاً فإننا بذلك نكون قد أخرجنا واستبعدنا جزءاً تاريخياً ومكوِّناً من المجتمع العربي وإذا نظرنا إلى الثنائية من منطلق التكامل والتعايش نكون قد أسسنا لمجتمع سليم ومعافى.‏

يرى د.طيب تيزيني9- أن هناك ثلاثة اتجاهات تجيب عن تلك العلاقة بطرق مختلفة:‏

الاتجاه الأول:‏

يرى في العلاقة صيغة شاملة وكلية بالاعتبارين الحضاري والاعتقادي ويبرز ذلك تخصيصاً بين العروبة والإسلام، كما يرى أصحاب هذا الاتجاه. وبحسب ذلك يغدو الطرفان المذكوران قرينين بالاعتبارين المذكورين أي -في هذا المستوى- يوحَّد دون انفصام بين العروبة والإسلام الاعتقادي والحضاري ويترتب على ذلك إخراج من لايأخذ بالإسلام الاعتقادي، من العروبة وهم -في هذه الحال وتحديداً -المسيحيون.‏

الاتجاه الثاني:‏

يضبط العلاقة بين الفريقين ضبطاً حضارياً، أي من موقع مفهوم الحضارة وفي هذه الحال ينظر إلى الإسلام بوصفه إحدى المنظومات الثقافية الأساسية للمجتمع كله بما فيه من تعددية دينية وأثنية ومذهبية وأيديولوجية، وباختصار حين يؤخذ بهذا الموقف: العقائدي في القلوب والضمائر والحساب عليها يبقى حتى يوم الحساب.‏

أما الحضارة فهي للمجتمع ممن يعيش في وطن واحد وتحت سماء واحدة. هذا مع الإشارة إلى استحالة التمييز المطلق بين كلا الموقفين الاعتقادي والحضاري (يذكر في هذا الصدد أن "غوته" الشاعر الألماني قال: إذا كان الإسلام هو هذا، فنحن كلنا مسلمون).‏
الاتجاه الثالث:‏

يرى أصحابه بالقطع بين العروبة والإسلام، قطعاً تاماً. أما تسويغ ذلك فيسلك مسلكين اثنين. يقوم أولهما على موقف عدمي تغريبي من الإسلام والتراث الإسلامي، يرى أن بداية تقدم المجتمع العربي يكمن في القطيعة مع هذين من حيث هما السبب الأعظم في التخلف العربي.‏

في حين يقوم المسلك الثاني على الاعتقاد بأن الحفاظ على الوحدة الوطنية في كل قطر عربي وعلى الهوية القومية العربية عموماً يستدعي إقصاء الإسلام والتراث الإسلامي خصوصاً وعموماً من الحياة الاجتماعية العامة دون تمييز بين الإسلام كاعتقاد ديني له بنيته الإيمانية الميتافيزيقية وبينه كحالة حضارية أسهم في تكوينها جموع من الأجيال العربية ذات الانتماءات الدينية المختلفة والمتنوعة9- ((كثيراً ما يختلط الإسلام- الدين، بالإسلام- الحضارة في أذهان الناس وهذا الاختلاط مصدر التباسات عميقة ومتعددة لدى المسلمين والمسيحيين على السواء ولعل مكرم عبيد، الزعيم السياسي المصري القبطي كان يرى بوضوح هذا الأمر حين قال في إحدى خطبه ما معناه: أنا مسيحي في ديني، مسلم في وطني. ولعل الاختلاط بين الإسلام الدين والإسلام الحضارة عائد إلى أن حضارة الإسلام نشأت على أكتاف هذا الدين فأشعل حركتها بناره وانطلقت في العالم بقوة اندفاعه.‏

لكنّ الحضارة الإسلامية في الواقع أنشأت بعض مجتمعات تنتمي إليها في كل شيء إلا الدين. ولاشك في أن المسيحيين العرب هم من أولئك الناس الذين ينتمون إلى حضارة الإسلام دون أن ينتموا إلى الإسلام ديناً.‏ يعترض البعض على تسمية هذه الحضارة بالإسلام وقد لايختلف الأمر كثيراً إذا سميناها بالحضارة العربية مع بعض الاعتراضات الأكاديمية الثانوية. إلا أننا نستطيع القول أن المضمون هو الأهم وإن اختلفت التسميات فإذا كان "توماس أرنولد" يسميها تراث الإسلام، أو "غوستاف لوبون" يسميها حضارة العرب -في كتابيهما اللذين يحملان هذين الاسمين- فإن المسيحي العربي يحمل في وجدانه هذا الرصيد الحضاري الذي يشترك فيه مع المسلم منذ أن قامت الدولة العربية الإسلامية حتى الآن))10-.‏

أما د.محمد عابد الجابري فيعتبر أن ثنائية العروبة والإسلام في الخطاب العربي المعاصر من المسائل التي يدور حولها نقاش لأن كل طرف يتحدث عن العروبة وعن الإسلام من داخل مرجعيته الخاصة، مرجعيته المعرفية وليس فقط الأيديولوجية. وبما أنه ليس هناك مرجعية معرفية واحدة في الفكر العربي المعاصر بل مرجعيات مختلفة متباينة فإن مايفهمه هذا الطرف من العروبة ومن الإسلام هو غير مايعنيه لهما الطرف الآخر((فالتقابل بين العروبة والإسلام لم يكن تقابلاً ماهوياً فلم يكن الاختيار المطروح هو أن نختار العروبة أو نختار الإسلام بل كان الاختيار المطروح هو: أي ((الآخرين)) يجب أن نقاوم أولاً وبالتالي أي السلاحين يجب أن نحرك في البداية؟ سلاح العروبة أم سلاح الإسلام فالثنائية لم تكن ثنائية على صعيد الهوية بل كانت على مستوى الأداة التي ينبغي تحريكها للدفاع عن الهوية وحمايتها))11-.‏

ويرى د.الجابري أن أصل المشكل يقع في المشرق وليس في المغرب وبأن هذه القضية ليست ذات موضوع واهتمام في المغرب وأن الشعور بالتوفيق والجمع بين العروبة والإسلام إنما نشأ في بلاد الشام أساساً (سورية ولبنان)، إذ نادى الوطنيون السوريون بالعروبة كبديل عن التتريك وطالبوا بالاستقلال للقومية العربية عن الامبراطورية العثمانية وقد اقترن الدفاع عن العروبة عن بعض الجمعيات بـ((العلمانية)) أي فصل الدين عن العروبة، الشيء الذي كان يعني الاستقلال عن الخلافة التركية ((الإسلامية)) وكردّ فعل مضاد على هذه المطالب العروبية رفع من جانب الأتراك والمؤيدين لهم شعار الجامعة الإسلامية فانزلق النقاش بل الصراع إلى وضع خاطئ للمسألة، وضع يختزلها نظرياً في طرح الاختيار بين العروبة والإسلام. وقد تغذّى المشكل من واقع بلاد الشام المتميز بوجود أقليات دينية غير إسلامية، مسيحية بصفة خاصة.‏

وعن سبب تعميم هذه الظاهرة، يرى الجابري: أن الريادة الفكرية، النهضوية العربية لكتّاب ومفكري مصر والشام هي التي نقلت المشكل المحلي إلى مشكل عام على الصعيد الفكري النظري، بمعنى عندما يناقش كاتب سوري مسألة العروبة والإسلام فإنه يعالجها ليس كمشكل محلي خاص بل كمشكلة عربية عامة (علماً أن العراق والجزيرة العربية واليمن والمغرب العربي بجميع أقطاره لم تكن تعيش هذه المشكلة إطلاقاً حسب الجابري) وبذلك التعميم انتقل المشكل من المستوى السياسي، أي مستوى، مسألة الحكم والسلطة والديمقراطية إلى مشكل نظري، أي مشكلة كيان ومشكلة هوية12- وأن الوقت قد حان برأي الجابري للتخلص من هذا التعميم للمشاكل من هذا النوع.‏

لقد أثارت أفكار الجابري نقاشاً واسعاً، فقد ردّ البعض بأن ثنائية العروبة والإسلام ليست ثنائية مشرقية فقط فإذا كانت قضية الإسلام مثارة في المشرق فإن قضية العروبة مثارة في المغرب، إضافة إلى أن مسألة الإسلام ذاتها مطروحة في المغرب العربي، جماهيره ومثقفيه وإلا بماذا يفسر تنامي الحركات الأصولية في دول المغرب."13-.‏

كما أن الجابري انتقد شيئاً ثم انتهى إليه، انتقد الثنائيات المطروحة باعتبارها مسألة مشرقية لينتهي بمعالجة مغربية أي أنه انتقد التعميم المشرقي لينتهي بتعميم مغربي. كذلك فإن قضية العروبة والإسلام ليست قضية مستحدثة كما يرى الجابري لأن هذه القضية يمكن أن يؤرخ لها منذ العهد الأموي، منذ النص على أن يكون الخليفة قرشياً أي عربياً والعرب هم الذين حملوا الإسلام إلى غيرهم وأقاموا الامبراطورية الإسلامية.‏

إذن فمسألة العروبة والإسلام نشأت منذ صدر الدولة الإسلامية ولم تنشأ في العصر الحديث، إذن كل مسيحي أو غير مسيحي في الحضارة العربية لم يكن يشعر أن هذا الشاعر أو ذاك المفكر هو مسلم أو غير مسلم لأنه جزء من تراثه حتى اليهود كمفكرين وعلماء وأطباء في الأندلس كانوا يحسبون على التراث العربي وليس على أساس دينهم.‏


يتبع

نسمـ،ــه
17-01-2006, 11:06 AM
الأصالة والمعاصرة‏ إنّ بداية طرح هذه الثنائية (التي تكمن أهميتها في أنها تطرح مسألة الحداثة) كانت مع بدء احتكاكنا بالغرب في أوائل القرن التاسع عشر وعلى شكل بدائل ثلاثة هي14-:‏

-البديل الأول:‏

التمسك بالأصالة: إن معنى الأصالة في نظر أصحاب هذا الاتجاه هو العيش في الماضي دون الحاضر وأن يستلهم التاريخ ويبني حياته على أساسه وهوبديل غير معقول نظرياً ولا مقبول عملياً.‏

فلا الدعوة إلى الأصالة تعني إيقاف حركة التاريخ ولا الدعوة إلى المعاصرة تعني نسيان التاريخ وتجاوزه. وكما قال أحد المفكرين ((من الماضي نأخذ النار وليس الرماد)).‏

-البديل الثاني:‏

مسايرة العصر، أي العيش في الحاضر دون الماضي:‏

ومن الواضح أن هذين البديلين يكشفان عن إشكالات أساسية في علاقتنا بالزمن فالطريقة التي يصاغ بها البديلان توحي بأن في استطاعة مجتمع ما أن يختار ألا يعيش عصره بل يستمد مقومات حياته كلها أو أهمها من عصر ماض ولما كانت المشكلة ليست مشكلة اختيار لأن عصرك مفروض عليك شئت أم أبيت فإن من حقنا أن نتساءل: ألا يجوز أن صيغة الاختيار بين الأصالة والمعاصرة تعبر عن خلل أساسي في علاقتنا بالزمن وبالتاريخ.‏

-البديل الثالث:‏

التوفيق بين المفهومين السابقين:‏

هناك بُعدٌ آخر لإشكالية الأصالة والمعاصرة وهو البعد التقويمي فأنت حين تتحدث عن أصالة مجتمع ما، لاتعني الرجوع إلى ((أصل)) هذا المجتمع فحسب بل تعني أيضاً العودة إلى ماهو ((أصيل)) في تاريخه وفي أعماق شخصيته المعنوية وهكذا فإن الأصالة يمكن أن تشير إلى معنى زمني هو الرجوع إلى ((الأصل)) ويمكن أن تشير أيضاً إلى معنى تقويمي هو البحث عما هو ((أصيل)) ويمكن بالطبع أن تجمع بين المعنيين على أساس أن ((الأصيل)) حقاً هو ماينتمي إلى ((الأصل)) وتنطبق هذه الازدواجية نفسها على معنى ((المعاصرة)) فحين نتحدث عن المعاصرة بوصفها ضرورة للنهوض لانقصد بذلك الدعوة إلى العيش في الفترة الزمنية الحاضرة فحسب بل نعني أيضاً متابعة أفضل ما في هذه الفترة الحاضرة وأكثر تقدماً. ويرى د.فؤاد زكريا أنه للتخلص من كل هذه الالتباسات يتم طرح صيغة بديلة وهي صيغة الإبداع أو الاتباع التي يتم من خلالها التخلص من كل مظاهر الخلط بين المعنى الزمني والمعنى التقويمي لأنه يستبعد الإشارة إلى الزمن أو على الأقل يتخطى حدوده.‏

إن العمل الأصيل (بالمفهوم التقويمي) هو عمل معاصر دائماً إذ مازلنا نطرب للكثير من الألحان القديمة والشعر القديم، ونحمّر خجلاً من بعض الشعر الحديث ومن بعض الغناء المعاصر (وهو معاصر بالمفهوم الزمني) والأمثلة أكثر من أن تعد وتحصى.‏

ووفق محمود أمين العالم فإنه من ثنائية الأصالة والمعاصرة تنبثق ثنائية أخرى هي ثنائية الإبداع والخصوصية وهي تفريع على تلك الثنائية وتختلف المواقف إزاء هذه الثنائية فهناك ((من يتخذ من الأصالة بذلك المفهوم الماضوي مرتكزاً وقاعدة ومعياراً للتحديث والتغيير فيسعى لتكييف الحاضر بمقتضى مايراه من ثوابت في الماضي التراثي وهو يكاد يقول بشبه قطيعة مطلقة بين ثوابت هذا الماضي وبين وقائع الحاضر والعصر فبينهما ثنائية استبعادية، ضدية، حاسمة فهناك شرق حضاري وهناك غرب حضاري ولا لقاء بينهما. وهناك من يتخذ من احتياجات العصر ومنجزاته المادية والعملية والقيمية مرتكزاً ومعياراً أو نموذجاً للتحديث متجاهلاً الماضي التراثي تجاهلاً كاملاً (أي مقابل تجاهل العصر هناك اتجاه يتجاهل الماضي). وهناك من يسعى لإقامة وفاق بين الماضي التراثي ومنجزات العصر وهناك أخيراً موقف لايرفض الماضي التراثي ولا يرفض منجزات العصر ولايسعى للتوفيق بينهما بل يحرص على اتخاذ موقف مستقل يقوم على استيعاب الماضي استيعاباً عقلياً نقدياً فيتفهمه في إطار ملابساته التاريخية والاجتماعية كما يقوم على استيعاب منجزات العصر وضروراته الموضوعية استيعاباً عقلياً نقدياً أيضاً))15-. أما علي حرب فهو يسعى للتحرر والتجاوز من أجل فكر يتيح له ممارسة الأصالة والحداثة وفق نظرة فلسفية تحرره من الراهن القومي ((أسعى للتحرر من هذه الثنائية لكي أمارس خصوصيتي كما أسعى إلى تجاوز ثنائية الأصالة والحداثة (المعاصرة) لكي أمارس علاقتي بالهوية والذاكرة على نحو يتيح لي أن أقيم مع حاضري علاقة راهنة فاعلة ومنتجة وبهذا المعنى فأنا أتعامل مع أفلاطون وديكارت وكِنت تماماً كما أتعامل مع الفارابي وابن عربي وابن خلدون أي بوصفهم ينتمون جميعاً إلى مجال الفكر))16-.‏

ويرى علي حرب أنه من الأجدى تجاوز الثنائيات المسيطرة على الفكر لأن المفاضلة الآن لم تعد بين منطق ديني ومنطق علماني بل هي بين عقل دوغمائي وعقل نقدي أو بين فكر تبسيطي وفكر تعددي تركيبي أو بين مجتمع مغلق محافظ ومجتمع لايخشى الانفتاح. باختصار نحن إزاء منطقين:‏

منطق الماهيات الثابتة والهويات اللاهوتية مقابل منطق علائقي تحويلي يتيح لنا أن نتغير باستمرار بما ننتجه من الحقائق أو نولّده من الوقائع.‏

يتساءل شوقي جلال ((لماذا حين نذكر المعاصرة (الحداثة) ينصرف الذهن إلى الغرب بكل سلوكياته وقيمه وليس إلى آلية العصر كمنهج بمعنى أدوات تفوّق الغرب وليس حضارة الغرب بكل قيمها وهو مالخّصه تساؤل رواد النهضة العربية ((لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟)) ولكن إذا أخذنا الحداثة (المعاصرة) على أنها منهج وأدوات تعامل الإنسان على مستوى العصر مع الواقع الذاتي والمجتمعي والبيئي لاتنفي التناقض النظري والتناقض في حياتنا حيث نلعن الغرب ونستهلك إنتاجه وقيمه، نلعن الغرب من خلال المكرفون الذي صنعه الغرب نفسه))17-.‏

فالحداثة ((تحول نوعي ارتقائي للمجتمع تتغير حسب الزمان والمكان شكلاً ومضموناً وهي عملية شاملة لكل نشاطات الحياة المجتمعية وبهذا فإن كل عصر حديث في ذاته وزمانه. وهي (الحداثة) تنطوي على القديم مهضوماً ومكيفاً من خلال الوعي الإنساني مثلما تنطوي على نقد القديم لقصوره وتحليله).‏

((إن انطلاقة عصر التصنيع والتي هي المدخل إلى عصر مابعد التصنيع (مابعد الحداثة) تمت من خلال مجموعة من المنطلقات:‏

1- إيمان بالعقل على أنه مصدر المعرفة بـ (اليد التي طرقت الباب لم تكن أقل أهمية من اليد التي فتحت الباب)).‏

2- إيمان بالحقيقة ذات طبيعة علمية نقدية، إنها ليست موروثة أو منقولة.‏

3- إيمان بالإنسان وحقوق الإنسان العام والتعليم إلزامي بوصفه حقاً للإنسان وشرطاً للتطور.‏

4- إيمان بأن المجتمع بنية متعددة الطبقات وفقاً لنظام تقسيم أدوار العمل ولايعتمد على الطائفة أو العائلة أو القبيلة، أي الأساس هو العمل لا علاقة دم أو نسب.‏

5- اللغة لغة عقل تحليلي نقدي وليست لغة خطابة إنشائية)).‏ لقد تحولت علاقة العرب بالحداثة منذ بداياتها في مطلع القرن التاسع عشر إلى إشكالية في المنهج والرؤية لأسباب جوهرية تتعلق في أساسها بالعلاقة التصادمية مع الغرب الصناعي ((في صلب هذه الإشكالية تلك الحساسية العميقة تجاه التعامل مع الغرب الغازي ومايمثله كقوة غازية استعمارية مما أثر في نظرتنا لطبيعة الحداثة نفسها بذلك لم يعد من الممكن أن ننظر إلى الحداثة خارج إطار الصراع التاريخي مع الغرب وهو صراع تاريخي ليس بسبب امتداده الزمني فحسب بل بسبب كونه أيضاً شاملاً لمختلف الأوجه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية))18-.‏

إضافة إلى أن تصرفنا هو أقرب مايكون إلى ردات الفعل الآلية من خلال علاقات التبعية مع الغرب وسنظل نعاني من الاهتزاز في الرؤية طالما حصرنا البدائل في اثنين لاغير: تقليد الغرب أو التمسك بالتقاليد.‏

((إن التغلب على إشكالية العلاقة مع الغرب تكون بالتفاعل الحر المتكافئ في إطار المواجهة والدخول في صراع مع الغرب والحل يكون بالانطلاق من منهج الفكر النقدي الذي يسلك طريق المواجهة والصراع مع الذات والآخر))19-. وإنّ حسم الصراع مع الذات هو المقدمة الضرورية لحسمه مع الآخر.‏

((إننا نواجه الإشكالية المعقدة والمحددة بالعلاقة بين الأصالة والمعاصرة، أي الإشكالية التي مايزال الفكر الإسلامي العربي المعاصر يتعثر في كثير من أوجهها وحقولها والتي -من ثم- تدخل بعمق في كيفية مايقدمه أمثال الشيخ الفزازي (من حديث محمد بن محمد الفزازي من المغرب في حوار بث من القناة الفضائية -الجزيرة- في الثالث من آذار 1998 حيث قال الرجل بوثوقية تامة: القوانين الوضعية تحت أحذيتنا، حرية الاعتقاد نوع من الردة عن الدين، رحم الله الذي قتل فرج فودة وحسين مروة، وعندما قيل له كيف تقف على هذا المنبر وتدعو إلى القتل، قال: هكذا يريد الله!!).‏

إن الفكر الإسلامي العربي المعاصر مدعو إلى أن يمارس -يداً بيد مع غيره من أنساق الفكر العربي المعاصر -جهداً هائلاً باتجاه الإجابة عن التساؤل التالي: كيف لنا أن نبقى أوفياء لتراثنا دون أن نفقد انتماءنا العميق للعصر؟ ومن الهام منهجياً هنا الإشارة إلى أن الإجابة عن هذا التساؤل ومن ثم عن إشكالية الأصالة والمعاصرة تقتضي الانطلاق من محور مركزي يبرز بمثابة معيار منهجي ضابط وهذا المعيار يتمثل في الواقع المشخص المعاش أي الحاضر المُفصح عن نفسه عبر تنامي المعرفي والأيديولوجي. فهذا الحاضر يملي نفسه على كيفية العودة إلى الماضي محدداً مايؤخذ منه على سبيل التبني ومايستلهم منه ومايلفظ منه. من هذا الموقع تغدو الأصالة والمعاصرة وجهين اثنين لمسألة واحدة هي التمكين لـ (الحاضر) في توجهه الناهض وبذلك يغدو خطأ النظر إلى الأصالة وكأنها الحالة المقترنة زمنياً وبالضرورة مع الماضي كما يصبح من الزيف أن ننظر إلى المعاصرة مقترنة بالحاضر ضرورة.‏

إن الأصالة معاصرة والمعاصرة أصالة، هما حركة واحدة باتجاه حاضرنا في أفقه الناهض احتمالاً وضمناً. لقد أجابت اليابان والصين وغيرهما عن أسئلة تراثهما على نحو مكنهما من الدخول في العصر والانخراط فيه دون عوائق وعقد واضطراب وكلا البلدين سار باتجاه التقدم دون الدخول في صدام مع تراثه وكذلك يمكن أن نضيف إلى ذلك ماحدث على صعيد مايسمى" بـ20- (لاهوت التحرير) في أمريكا اللاتينية الذي مكن مؤمنيها من المسيحيين وغيرهم من قراءة تراثهم الديني على نحو جعل منه قوة تاريخية تقدمية ضخمة".‏

يتبع

نسمـ،ــه
17-01-2006, 11:09 AM
القومي والقطري‏

تتفرع هذه الثنائية عن ثنائية العروبة والإسلام في جانبها التراثي. فالقومية العربية مرتبطة بالتراث العربي الإسلامي على وجه العموم وبالتالي فإن أي حديث عن القومية يرتبط بالإسلام بشكل أو بآخر. أما القطرية فهي ليست فقط أمة تجزأت في الجغرافيا بل أمة انقسمت فكرياً وأن الحدود الجغرافية ليست سوى التعبير عن هذا الانقسام (الأزمة) ولكن المشكلة هنا هي: أن القومية طموح وهدف تسعى إليه الأمة من أجل استعادة كينونتها بينما القطرية، واقع يُعمل من أجل تكريسه ليس فقط من قبل أصحاب الأمر الواقع في الداخل وإنما من قبل الآخرين في الخارج أيضاً. وبالتالي فإن هذه الثنائية هي الثنائية الوحيدة (بشكل قطعي وحاد) ذات العلاقة الاستبعادية النافية.‏

فالعلاقة بين القومي والقطري، علاقة ضدية تماماً (القطرية بحد ذاتها مناقضة للقومية التي تنزع بحد ذاتها إلى الوحدة. القومية هي حركة توحيد الأمة وتأسيس للدولة الواحدة. والقطرية هي نقيض القومية، ولا مبرر لوجود القطرية لأن الأمة بتراثها الثقافي الأساسي الحضاري هي التي انتخبت وجودها، لا القطرية، القطرية دخيلة وحادثة ذات علاقة بالأجنبي))21-.‏

ولكن للجابري رأي آخر إذ أن ((كل تفكير في الوحدة العربية اليوم أو غداً لاينطلق من واقع الدولة القطرية العربية الراهنة هو تفكير ينتمي إلى مرحلة مضت وانتهت، تفكير لم تعد له إطلاقاً أية وظيفة ولا أية مهمة))22- وبعد أن يستعرض التجارب التي آل إليها الفكر القومي والنضالات والتضحيات التي بذلت من أجل الوحدة خلال المائة سنة الماضية رأى أن كل ذلك قد انتهى لا إلى تحقيق الوحدة العربية بل إلى تحقيق الشرط الموضوعي لإمكانية قيام وحدة عربية ما.‏

هذا الشرط الموضوعي هو وجود دولة قطرية مستقلة على الأرض العربية.‏

إذن التفكير في الوحدة العربية (الشكل السياسي المعبّر عن القومية) يجب أن ينطلق من الدولة القطرية أولاً بوصفها وحسب الجابري ((حقيقة دولية وعربية، اجتماعية واقتصادية ونفسية لم يعد من الممكن القفز عليها حتى على صعيد الحلم)) وبالتالي فإن طروحات الفكر القومي المنطلقة من قضية الديمقراطية وقضية الزعامة ((الإقليم القاعدة)) وقضية شكل الوحدة يجب إعادة النظر فيها انطلاقاً من مقولة ((حقيقة الدولة القطرية)).‏

فالديمقراطية لا تؤدي في ظروف وطننا العربي إلاّ إلى تداول الاستبداد وذلك لأن((الوطن العربي -بل العالم غير الأوروبي الغربي عموماً- لم يعرف لا النظام العبودي ولا النظام الإقطاعي بالشكل الذي عرفتهما أوروبا الغربية، فإنه لم يعرف بالتالي ماكان نتاجاً لهما، أعني الديمقراطية))23- أما الإقليم القاعدة فهي مقولة غير علمية وغير إجرائية. وكذلك قضية الوحدة من حيث شكلها فإن الواقع العربي الراهن لايتحمل هذا الشعار (أي شعار الوحدة الاندماجية الشاملة) ولا يقدر على حمله ((فالممكن اليوم هو أشكال من الوحدة يتداخل فيها ويتكامل العمل الإقليمي والعمل القومي)). وعلى غرار رؤيته (الجابري) لثنائيات العروبة والإسلام، الدين والدولة، الأصالة والمعاصرة فإنه يرى أيضاً أن الثنائية القومي (الوحدة) والقطري (التجزئة) هي تعميم لمظهر إقليمي عربي على باقي الأقطار العربية ((لقد اعتدنا القول أن التجزئة التي لحقت بالوطن العربي هي بسبب عامل خارجي هو الاستعمار وهذا صحيح بمعنى ولكنه غير صحيح بمعنى آخر.‏

إن الاستعمار مسؤول عن التجزئة، لاشك في هذا ولكن هناك معنى آخر يجعل التجزئة تعني انقسام الوطن العربي إلى أقطار في المشرق والمغرب وقيام دول في دول هذه الأقطار هي الدول العربية القائمة حالياً، (الدول القطرية) واعتبار الاستعمار هو المسؤول الأول والأخير عن وجود الدول القطرية هذه الشيء الذي يعني أن البلاد العربية قبل الاستعمار كانت موحدة وهذا غير صحيح فمنذ سقوط الدولة الأموية قبل ثلاثة عشر قرناً والدول المستقلة واقع معترف به في التاريخ العربي بدءاً من الدولة الأموية في الأندلس والدولة الإدريسية في المغرب إلى الدول المستقلة الأخرى التي قامت بعد ذلك سواء في مصر أو الشام أو العراق وفارس. إن اختزال قضية الوحدة في مشكل التجزئة التي ورثناها من الاستعمار أومن غيره اختزال يشوه القضية سواء على مستوى التاريخ أو على مستوى المعطيات الواقعة الحاضرة.‏

إذن يجب أن نتجنب اختزال القضية في ثنائية الوحدة/التجزئة بل يجب أن نفكر فيها على ضوء المعطيات فمثلاً لا معنى للقول بأن الوحدة بين بلدين عربيين مهما كان نوع الوحدة بينهما محاولة تعرقل الوحدة الشاملة بل العكس يجب تشجيع كل المحاولات الوحدوية كما لابد من تشجيع سيولة الشعب العربي في وطنه العربي من المحيط إلى الخليج وذلك عبر تعميق الوحدة الثقافية بين العرب وإرساء دعائم الوحدة الاقتصادية أو التكامل الاقتصادي -على الأقل- شرط ضروري لفتح الطريق أمام مسلسل الوحدة بين الأقطار العربية سواء على مستوى الإقليمي الجهوي أوعلى مستوى الوطن العربي كله))24-.‏

لقد أفضت هذه الثنائية إلى انشغال العرب بمسألة الهوية، وبدأنا نسمع من يتساءل: من نحن؟ في الوقت الذي نعتبر فيه أنفسنا أننا من الأمم القليلة التي تعرف نفسها، وإن هذه المسألة هي من المسائل المحسومة تاريخياً.‏
إن انشغالنا بمسألة الهوية، ناجم وبشكل رئيسي عن تغليب القطرية وتغييب القومية، وإلا فما معنى أن يسأل العربي نفسه، من أنا، لأنه إذا لم يكن عربياً فماذا يكون؟!.‏

ولكن يجب الانتباه إلى الإشكالية التي ترافق هذا الفهم، فإذا كان البحث عن الهوية فقط في التاريخ والثقافة فإن الأمر الملحّ، أكثر الآن، هو البحث أيضاً عن الهوية في الواقع المعاش (إضافة للتاريخ والثقافة)) إذ لايكفي أبداً أن نقول أن لنا تاريخاً واحداً، وآمالاً مشتركة واحدة ولغة واحدة، إذ لابد من واقع تتجسد فيه تلك القواسم، التي إن لم تجد أرضاً تنبت فيها، تبقى مجرد بذور على قارعة الطريق، تلتقطها طيور السماء بكل يسر وسهولة. ويبدو أن الهدف الأساسي من خلق وتكريس الدولة القطرية، هو خلق هوية قطرية تمنع تلك القواسم المشتركة من التجسّد والمرور بسهولة في الساحة العربية، وأدى ذلك إلى نشوء تيارات ومشاريع فكرية تنطلق أساساً من مفهوم الدولة القطرية، بغية تثبيتها في الواقع المعاش وحرف وعي الأمة عن مساره القومي وهو ما تحقق الآن وبنسبة كبيرة.‏

إن الهوية مرتبطة بحياة الأمة وهي تتطور مع التطور السياسي والاجتماعي للأمة فالهوية القومية ((التي تحمل سمات التجربة التاريخية، تحمل أيضاً سمات الواقعية والراهنية وهي كذلك تنمو نمواً تاريخياً فتغتني وتتسع وتتجذر وتتحول وتتصارع داخلياً وخارجياً وتتفاعل مع الشعوب والثقافات وتنغلق أحياناً بسبب هجوم أو ضعف وتنفتح حيناً بسبب قوة أو ضعف وهي لا تتوقف أبداً عن هذه العملية كالشجرة التي تتغذى من الأرض ومن الهواء))25-.‏

إن مخاطر عديدة تواجه الهوية القومية، أبرزها الهجوم الإمبريالي من الخارج ومحاولات التفتيت من الداخل وتهدف إلى 26-:‏

- تكريس الديني والطائفي على حساب القومي.‏

- تكريس الآني على حساب القومي.‏

- تكريس الدولي على حساب القومي.‏

وللتخفيف من حدة هذه المخاطر يجب العمل على 27-:‏

[size=5]1- تدعيم العلاقة بين الأمي والمثقف.‏

2- إنتاج إبداع جديد يمنح الهوية معنىً جديداً.‏

3- التركيز على الهوية من منظور فهم تاريخي للتراث وليس من منحى تشبث تراثي بالتراث.‏

4- التعامل مع الهوية على أساس إمكانية مراجعتها ونقدها باستمرار وليس على أنها شيء مقدس لا تجوز مناقشته فمع كل مستحدث جديد من الاختراعات. ((تطرح على المجتمع والثقافة مشاكل وتحديات جديدة تستهدف الهوية التي يُعبر عنها بالسيادة في حقل السياسة وبالأصالة في حقل الثقافة، بمثل ما تطرح على المجتمع وعلى الثقافة أيضاً من فوائد ونتائج إيجابية تتوقف جدوى استثمارها أو الرزوح تحت أعباء مشاكلها وتحدياتها على ما يتيحه الميدان الاجتماعي لوسائله في الثقافة والتفكير من فرص تهيئها لمثل هكذا مواجهات-.‏ [/[color=#0000FF]size]فالهوية هي حصيلة الإبداع، والإبداع ليس عملاً فردياً فحسب، بل هو إبداع جماعة، وإبداع الجماعة يجب أن ((يكوِّن مع إبداعات الجماعات الأخرى النسيج الحضاري العام وهكذا يمكن أن نفهم أفلاطون والمتنبي وابن رشد وشكسبير ولوك وروسو على أنهم محطات هامة في المشروع الحضاري الإنساني وبالتالي فإن الهوية المحددة لخصوصية أي أمة من الأمم، هي قدرة هذه الأمة على الإبداع ووضعه في خدمة الإنسانيةوالى لقاء

نسمة

همس الزيادي
17-01-2006, 04:04 PM
نسمتي الغالية

دومـاً أطروحـاتكـ تعكس نضج فكـركـ

و عمق إطلاعـكـ و ثقافتكـ

و تحوي الكثير من المعلومات القيمة

و المفيدة

كل الشكر علي هذه المساحة من النور

الذي دلف للعقل

و اكثر ما اعجبني هنا ما كان عن الشاعر محمود درويش



لا حرمنا الله عطاءكـ


هــمــس

نسمـ،ــه
18-01-2006, 12:57 PM
نسمتي الغالية

دومـاً أطروحـاتكـ تعكس نضج فكـركـ

و عمق إطلاعـكـ و ثقافتكـ

و تحوي الكثير من المعلومات القيمة

و المفيدة

كل الشكر علي هذه المساحة من النور

الذي دلف للعقل

و اكثر ما اعجبني هنا ما كان عن الشاعر محمود درويش



لا حرمنا الله عطاءكـ


هــمــس

اشكرك همس

انرتى صفحتى كثيرا

نسمة

نسمـ،ــه
23-02-2006, 02:56 PM
وسوف تعود تلك الصفحات مرة اخرى لننهل منها

نسمة

نسمـ،ــه
20-09-2006, 01:05 AM
ونعود مرة اخرى لمن يهوى الثقافة

نسمة

نسمـ،ــه
22-09-2006, 12:03 AM
جدلية التأريخ والسياسة

فكر برنارد لويس



( الجزء الأول )

إيلاف
محمد طعم

يستمد الحديث عن برنارد لويس أهميته من سببين إثنين، أولهما إهتمامه الشديد بدراسة
المراحل التاريخية والحقب السياسية بل وحتى الظواهر الإجتماعية التي عرفتها بعض مناطق
العالم الإسلامي، خاصة تركيا وأفغانستان-حيث عاش- وإيران وإلى حد ما منطقتنا العربية.
ثانيهما ما يحظى به هذا الرجل من مكانة و حظوة سواء في الدوائر الأكاديمية المهتمة بما
جرى ويجري في "ديار الإسلام"، وهي مكانة لا تقل عن نظيرتها التي يحظى بها لدى أصحاب
القرار السياسي الأمريكيين بحكم ما يوفره من غطاء فكري وأكاديمي في شكل"مشورة"
أو"نصيحة" كلما تعلق الأمر بالطريقة المثلى – حسب رأيه - الواجب إتباعها أميركيا للتعاطي
مع العرب والمسلمين. وذلك ضمن تقليد عريق مارسته، ولا زالت، مؤسسات الإستشراق
الغربي بشقيه الأوروبي سابقا والأميركي لاحقا.

وحتى لا يبدو الحديث عن دور المستشرقين مؤسسات وأفرادا وكأنه تنطع غير متزن أو كرد
فعل عاطفي ذي طابع إنشائي يفتقد إلى الموضوعية والتأمل العقلاني النزيه. بل وأيضا حتى
لا يتم وصف أي محاولة للتعاطي مع هذا الموضوع شديد الحساسية والأهمية بأنه يندرج إما
في خانة المؤيدين أو المعارضين لما يتوصل إليه هؤلاء المستشرقون من أحكام قيمة جامعة
مانعة لا تشوبها أية شائبة لا من حيث الغايات ولا من حيث الأسلوب و لا من حيث الأهداف -
الخفي منها والباطن- هذا إذا نحينا جانبا التعاطي مع مبهم النوايا وغامض الإفتراضات. إذا،
وتجنبا للتعميم، وإختصارا للوقت والجهد، ما يهمنا هنا هو شخص كرس أكثر من نصف قرن
في الدراسة والبحث والتنقيب والتحليل لأهم المراحل التاريخية والسياسية التي عاشتها
"المجتمعات الإسلامية". لذا، وتوخيا للحذر ليكن طريقنا للتعرف على هذا الرجل عبر ما كتبه
منذ 1950 إلى الآن. ماذا كتب عنا هذا المستشرق، بمعنى، من أي منطلق وبأي أسلوب.
لكن، أولا، لنتعرف إليه. من هو برنارد لويس هذا يا ترى؟

ولد برنارد لويس في 31 أيار/مايو1916 في إنجلترا، تخرج من جامعة لندن سنة 1936،
قسم الدراسات الشرقية والإفريقية. بعدها حصل على شهادة الدراسات العليا في الدراسات
السامية من جامعة باريس، فرنسا، ثم عاد إلى جامعة لندن ليحصل على الدكتوراه في الدراسات
الإسلامية سنة 1939. بعد ذلك ( 1940- 1945) إنخرط في القوات المسلحة الملكية، فرع
الإستخبارات الخارجية. بعدها عاد للتدريس في جامعة لندن حتى وصل سن التقاعد. وفي سنة
1974 إستدعته جامعة برانستون الأميركية، وفي سنة 1982 حصل على الجنسية الأميركية
مطلق وله إبن وبنت. بالرغم من محدودية أهميتها، هذه بإختصار موجز أهم مراحل سيرة
برنارد لويس الذاتية. ما يهمنا هنا هي كتاباته التي بدأها باكرا( في سن الواحد والعشرين)
والتي، بحكم ضيق المجال، سوف نقتصر على عرض أهمها، وتاريخ نشرها، والتعريف بها
بإيجاز.

عندما نشرت مخطوطة "أصول الإسماعيلية"(1) باكورة أعمال لويس، سنة 1937، كانت
مراكز البحوث والجامعات الغربية تشهد إنبعاث ما سمي فيما بعد بالجيل الثاني من
المستشرقين مثل(Louis Massignon) و(Jean Sauvaget) و(H.A.R. Gibb)
و (Joseph Schacht) ممن درسوا وحللوا الظواهر السياسية والإجتماعية والفكرية
للمجتمعات الإسلامية. في الحقيقة كانت أعمال هؤلاء، وغيرهم، متأثرة إلى حد ما بأعمال
الرعيل الأول من المستشرقين الذين نشرت كتاباتهم فيما بين 1880 وحتى نهاية الحرب
العالمية الأولى (1918). كانت كتابات الجيل الأول، على أهميتها، قد ركزت على دراسة
الجوانب الثقافية والدينية في تفسيراتهم لكبرى المراحل التي مرت بها مختلف المجتمعات
الإسلامية مولين بذلك أهمية قصوى للأحداث السياسية على غيرها من نواحي المجتمع
(موضوع البحث) كالتراكيب الهيكلية للبنى الإجتماعية والقيم السائدة آنئذ.صحيح أن الجيل
الجديد من المستشرقين، ولويس أحدهم، حافظ على أساليب بحث ومناهج و ميادين إهتمام
سابقيهم، إلا أنهم إختلفوا عنهم بتوسيع دائرة إهتماماتهم على المستويين الأفقي والعمودي.
أي أنهم لم يحصروا نطاق بحوثهم بتاريخ أوروبا وأميركا الشمالية باعتبار أن تاريخ
الحضارات الآسيوية والإفريقية غير قابل للدراسة وبالتالي الفهم.قبيل منتصف القرن الماضي
توصل معظم المؤرخين الغربيين إلى قناعة مفادها أن أية محاولة لفهم السيرورة التاريخية
للبشرية ستكون قاصرة إن لم تتناول بالبحث والدراسة خصائص وتراكيب باقي المجتمعات-
والمسلمين أحدهم - التي تشكل ثلثي البشرية. من هنا تولدت الرغبة في إخراج الدراسات
الإسلامية من الدائرة الإكزوتيكية باعتبار أن تلك الدراسات الإستشراقية، شأنها في ذلك شأن
أي علم آخر، كالتاريخ الأوروبي مثلا، قابلة ليس فقط للتفسير العلمي بل وأيضا للبحث عن
المكونات والخصائص الذاتية القابعة في عمق الثقافة والمجتمع الإسلاميين منذ ظهور الإسلام
وحتى اليوم. هذه هي الخانة التي يمكن إدراج معظم كتابات برنارد لويس ضمنها.

يتبع

نسمـ،ــه
22-09-2006, 12:04 AM
جدلية التأريخ والسياسة

فكر برنارد لويس



( الجزء الأول )

إيلاف
محمد طعم

يستمد الحديث عن برنارد لويس أهميته من سببين إثنين، أولهما إهتمامه الشديد بدراسة
المراحل التاريخية والحقب السياسية بل وحتى الظواهر الإجتماعية التي عرفتها بعض مناطق
العالم الإسلامي، خاصة تركيا وأفغانستان-حيث عاش- وإيران وإلى حد ما منطقتنا العربية.
ثانيهما ما يحظى به هذا الرجل من مكانة و حظوة سواء في الدوائر الأكاديمية المهتمة بما
جرى ويجري في "ديار الإسلام"، وهي مكانة لا تقل عن نظيرتها التي يحظى بها لدى أصحاب
القرار السياسي الأمريكيين بحكم ما يوفره من غطاء فكري وأكاديمي في شكل"مشورة"
أو"نصيحة" كلما تعلق الأمر بالطريقة المثلى – حسب رأيه - الواجب إتباعها أميركيا للتعاطي
مع العرب والمسلمين. وذلك ضمن تقليد عريق مارسته، ولا زالت، مؤسسات الإستشراق
الغربي بشقيه الأوروبي سابقا والأميركي لاحقا.

وحتى لا يبدو الحديث عن دور المستشرقين مؤسسات وأفرادا وكأنه تنطع غير متزن أو كرد
فعل عاطفي ذي طابع إنشائي يفتقد إلى الموضوعية والتأمل العقلاني النزيه. بل وأيضا حتى
لا يتم وصف أي محاولة للتعاطي مع هذا الموضوع شديد الحساسية والأهمية بأنه يندرج إما
في خانة المؤيدين أو المعارضين لما يتوصل إليه هؤلاء المستشرقون من أحكام قيمة جامعة
مانعة لا تشوبها أية شائبة لا من حيث الغايات ولا من حيث الأسلوب و لا من حيث الأهداف -
الخفي منها والباطن- هذا إذا نحينا جانبا التعاطي مع مبهم النوايا وغامض الإفتراضات. إذا،
وتجنبا للتعميم، وإختصارا للوقت والجهد، ما يهمنا هنا هو شخص كرس أكثر من نصف قرن
في الدراسة والبحث والتنقيب والتحليل لأهم المراحل التاريخية والسياسية التي عاشتها
"المجتمعات الإسلامية". لذا، وتوخيا للحذر ليكن طريقنا للتعرف على هذا الرجل عبر ما كتبه
منذ 1950 إلى الآن. ماذا كتب عنا هذا المستشرق، بمعنى، من أي منطلق وبأي أسلوب.
لكن، أولا، لنتعرف إليه. من هو برنارد لويس هذا يا ترى؟

ولد برنارد لويس في 31 أيار/مايو1916 في إنجلترا، تخرج من جامعة لندن سنة 1936،
قسم الدراسات الشرقية والإفريقية. بعدها حصل على شهادة الدراسات العليا في الدراسات
السامية من جامعة باريس، فرنسا، ثم عاد إلى جامعة لندن ليحصل على الدكتوراه في الدراسات
الإسلامية سنة 1939. بعد ذلك ( 1940- 1945) إنخرط في القوات المسلحة الملكية، فرع
الإستخبارات الخارجية. بعدها عاد للتدريس في جامعة لندن حتى وصل سن التقاعد. وفي سنة
1974 إستدعته جامعة برانستون الأميركية، وفي سنة 1982 حصل على الجنسية الأميركية
مطلق وله إبن وبنت. بالرغم من محدودية أهميتها، هذه بإختصار موجز أهم مراحل سيرة
برنارد لويس الذاتية. ما يهمنا هنا هي كتاباته التي بدأها باكرا( في سن الواحد والعشرين)
والتي، بحكم ضيق المجال، سوف نقتصر على عرض أهمها، وتاريخ نشرها، والتعريف بها
بإيجاز.

عندما نشرت مخطوطة "أصول الإسماعيلية"(1) باكورة أعمال لويس، سنة 1937، كانت
مراكز البحوث والجامعات الغربية تشهد إنبعاث ما سمي فيما بعد بالجيل الثاني من
المستشرقين مثل(Louis Massignon) و(Jean Sauvaget) و(H.A.R. Gibb)
و (Joseph Schacht) ممن درسوا وحللوا الظواهر السياسية والإجتماعية والفكرية
للمجتمعات الإسلامية. في الحقيقة كانت أعمال هؤلاء، وغيرهم، متأثرة إلى حد ما بأعمال
الرعيل الأول من المستشرقين الذين نشرت كتاباتهم فيما بين 1880 وحتى نهاية الحرب
العالمية الأولى (1918). كانت كتابات الجيل الأول، على أهميتها، قد ركزت على دراسة
الجوانب الثقافية والدينية في تفسيراتهم لكبرى المراحل التي مرت بها مختلف المجتمعات
الإسلامية مولين بذلك أهمية قصوى للأحداث السياسية على غيرها من نواحي المجتمع
(موضوع البحث) كالتراكيب الهيكلية للبنى الإجتماعية والقيم السائدة آنئذ.صحيح أن الجيل
الجديد من المستشرقين، ولويس أحدهم، حافظ على أساليب بحث ومناهج و ميادين إهتمام
سابقيهم، إلا أنهم إختلفوا عنهم بتوسيع دائرة إهتماماتهم على المستويين الأفقي والعمودي.
أي أنهم لم يحصروا نطاق بحوثهم بتاريخ أوروبا وأميركا الشمالية باعتبار أن تاريخ
الحضارات الآسيوية والإفريقية غير قابل للدراسة وبالتالي الفهم.قبيل منتصف القرن الماضي
توصل معظم المؤرخين الغربيين إلى قناعة مفادها أن أية محاولة لفهم السيرورة التاريخية
للبشرية ستكون قاصرة إن لم تتناول بالبحث والدراسة خصائص وتراكيب باقي المجتمعات-
والمسلمين أحدهم - التي تشكل ثلثي البشرية. من هنا تولدت الرغبة في إخراج الدراسات
الإسلامية من الدائرة الإكزوتيكية باعتبار أن تلك الدراسات الإستشراقية، شأنها في ذلك شأن
أي علم آخر، كالتاريخ الأوروبي مثلا، قابلة ليس فقط للتفسير العلمي بل وأيضا للبحث عن
المكونات والخصائص الذاتية القابعة في عمق الثقافة والمجتمع الإسلاميين منذ ظهور الإسلام
وحتى اليوم. هذه هي الخانة التي يمكن إدراج معظم كتابات برنارد لويس ضمنها.

يتبع

نسمـ،ــه
22-09-2006, 12:05 AM
المخطوطات العثمانية:

سنة 1949 تم إستدعاء لويس من قبل السلطات التركية للإطلاع على أرشيف المخطوطات
العثمانية في إستنبول، التي فتحت للباحثين والمؤرخين الغربيين مما شكل فرصة نادرة لهم
للإطلاع والكشف عن خصائص المجتمع الإسلامي في العصر الوسيط. هنا تجدر الإشارة إلى
أن كلا المؤرخين (بفتح الخاء) التركيين عمر لطفي برقان وخليل (هليل) إينالجيق، كانا قد بدآ
باطلاع الغرب على محتويات تلك المخطوطات مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، إلا أن
مجهوداتهما لا تقارن بما قام به لويس، الذي، نشر مخطوطته الثانية "العرب عبر التاريخ"
(2) بعد مرور سنة واحدة على قدومه إلى إسطنبول. وبعد ما يزيد عن العقد، في سنة
1961 تناول لويس في كتابه "نشأة تركيا المعاصرة"(3) محاولات الإصلاح الإداري
والسياسي والعسكري التي قام بها الأتراك، شارحا كيف أن المراحل التأسيسية الأولى لدولة
"شرق أوسطية" لم تلعب تدخلات الأوروبيين أي دور فيها، وكيف أن ذلك كان عبارة عن
نتيجة مباشرة للعديد من التحولات الداخلية التي أدت في النهاية إلى بعث دولة بالمعنى
الحديث للكلمة، أي كيان يتمتع بمواصفات الدولة-الأمة طبقا للمعايير الغربية المعاصرة. هنا
يمكن إعتبار مخطوطة "إستنبول وحضارة الإمبراطورية العثمانية"(4) ، نشر سنة 1963،
كتكملة للموضوع نفسه. ومنذ منتصف ستينات القرن الماضي، خصص لويس معظم كتاباته
لتحليل مكونات وتراكيب ما أسماه "بالشرق الأوسط المعاصر" وفهمها متسلحا بما توفر لديه
من مواد تاريخية ووثائق الأرشيف العثماني في إستنبول. ضمن هذا السياق جاءت مخطوطته
"الشرق الأوسط والغرب"(5) التي نشرت أول مرة سنة 1964، وتمت مراجعتها كي تنشر
بعد مرور ثلاثين سنة مرة أخرى، سنة 1994، تحت عنوان" تشكيل الشرق الأوسط". وبعد
ذلك بثلاث سنوات، أي سنة 1967، نشرت مخطوطته"الحشاشون"(6) ، تناول فيها نشأتهم
الفكرية وكيف تمكنوا من تأسيس دولة خاصة بهم إمتدت من إيران شرقا حتى منطقة الساحل
السوري غربا. والتي إستمرت منذ القرن الحادي عشر حتى القرن الثاني عشر ميلادي وكيف
تم القضاء على دولتهم تلك على أيدي قوات هولاكو حين غزت المنطقة، والظروف
والملابسات التي أحاطت بأشهر قادتهم؛ راشد بن سنان والحسن بن الصباح بن علي
الإسماعيلي (1037 ـ 1124). وفي بداية السبعينات أشرف على تدقيق مجلدين خاصين
بالتاريخ الإسلامي أصدرتهما جامعة كامبردج(7) ، صحبة باحثين آخرين في التاريخ الإسلامي
هما (Peter Malcolm Holt) و(Ann K.S. Lambton). وبعد ذلك بعام واحد، سنة
1971، أصدر "العرق واللون في الإسلام"(8) الذي أعيد نشره مرة أخرى سنة 1990،
ولكن تحت عنوان" العرق والعبودية في الشرق الأوسط". وفي 1975 صدر له كتاب "
الإسلام عبر التاريخ"(9) ، أعيد نشره سنة 1993 تحت نفس العنوان. في 1982 صدر
له "إكتشاف المسلمين لأوروبا"(10) ، وفي 1984، تبعه كتاب "اليهود في الإسلام"(11) ،
وفي 1986 أصدر كتابه"الساميون والمعادون للسامية"(12) ، ثم تبعه سنة 1988،
كتاب "اللغة السياسية في الإسلام"(13) وكتاب "الإسلام والغرب"(14) ، وفي سنة 1995
صدر كتابه "الشرق الأوسط"(15) ، هذا بالإضافة طبعا إلى كتابيه الأخيرين الأكثر شهرة -
بسبب هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001- وهما "أين الخلل؟"(16) صدر مباشرة إثر
هجمات 11 سبتمبر، و"أزمة الإسلام"(17) صدر سنة 2003. وأخيرا "من بابل إلى
دراغومانز"(18) .

في الحقيقة تعتبر أغلب، وليس كل، الكتب المشار إليها أعلاه إما عبارة عن مقالات أو
محاضرات نشرت أو ألقيت ثم تم جمعها ونشرها مرة أخرى في شكل كتاب. هذا بالإضافة إلى
العشرات من المقالات الأخرى التي نشرتها له، منفردة، كبرى الصحف والمجلات الأميركية
والأوروبية على مدار العقود الستة الأخيرة والتي لا يمكن تغطيتها كلها هنا، إلا أننا سنعرج
على بعضها حسب أهمية ما ورد فيها.

طبعا، لا يختلف إثنان على أن برنارد لويس يمتلك مقومات المثقف/الإنتلجنسيا بالمعنى
التقليدي للكلمة؛ أي الإمساك بناصية اللغة (أو اللغات) بما في ذلك علم اللسانيات العامة
Linguistics)) و علم اللسانيات التطبيقية Applied Linguistics)) والإلمام بالتاريخ
منهجا ومحتوى، خاصة سوسيولوجيا التاريخ والإدراك الفلسفي للأمور من مختلف الزوايا
والأبعاد. وعندما نقول هذا فإننا نكون حكما قد إستبعدنا شبهة الخطأ (الذي يفترض حسن
النية حتى يسمى خطأ)، وبالتالي فإن برنارد لويس هذا يدرك تمام الإدراك ماذا يقول ويكتب
وماذا يقصد بما قاله وكتبه مما يستدعي بالضرورة إضفاء صفة العمد على أقواله
وأفعاله/كتاباته. أما مبهم نياته وغامض نواياه مما كتب ومما قال ومما توصل إليه من
"أحكام", فهو أمر متروك أولا وأخيرا لذكاء القارىء أو المتلقي، ولحكم المنطق والعقل
لا غير.

ربما يعود الجدل الدائر حول هذا الرجل إلى حقيقة كونه لم يسبق أن أقدم أي مستشرق أو
مؤرخ أو مفكر أن ينزل من برج الدراسات والبحوث ويغمس أصابعه الأكاديمية في أوحال
السياسة وطيونها بالشكل الذي أقدم عليه المستشرق برنارد لويس. خاصة إذا تعلقت هذه
السياسة بمواقف وطريقة تعامل قوة كونية جبارة بحجم الولايات المتحدة الأميركية مع ما
جرى ويجري من أحداث ووقائع في أعقد وأخطر منطقة في عالم اليوم- منطقة الشرق
الأوسط. لذلك يصعب الحديث عن النزاهة والحيادية والموضوعية بل والدقة والأمانة العلمية
وهي صفات ضرورية بل وملازمة لأي عمل أكاديمي عامة والتاريخي(دراسة التاريخ) خاصة.
ليس من المستغرب أن ينبري منتقدو لويس من الأكاديميين والمستشرقين إلى الإشارة إلى
هذه النقطة الحساسة؛ أي صعوبة، إن لم نقل إستحالة، الحفاظ على صفة الإتزان والحياد
المفترضة في المؤرخ، في حال إقدام هذا الأخير على إتخاذ مواقف مساندة لطرف دون آخر
في صراع مرير ودموي كالصراع الدائر في منطقتنا حاليا. ومن جهة أخرى نجد أن مؤيديه
ومريديه وأتباعه يقارعون ذلك وحجتهم أن برنارد لويس يمتلك من الاطلاع والمعرفة بتاريخ
المنطقة وله من التجربة والخبرة الميدانية والعلمية ما يكفي أن يكون حجة بذاته وفي ذاته.
وبالنتيجة فأي موقف يتخذه هذا المستشرق إنما هو، بالضرورة، صحيح غير قابل لا للشك
ولا للتأويل أو المراجعة. ويستند المدافعون عن لويس إلى حجة تبدو للناظر وكأنها سليمة
ومقنعة إلى حد ما، وهي هذا الحجم الهائل من الكتب والمقالات والدراسات التي أنتجها
برنارد لويس على مدار الستين سنة الأخيرة، بشكل جعل كتاباته وكأنها مراجع لمن يود
"الإطلاع" على أمر ما متعلق بالمسلمين أو بالعرب.

صحيح أن لويس سار على خطى سابقيه من المستشرقين الأوائل القائمة على مرتكز فقه اللغة
(philology) والدين والحياة الثقافية للمجتمع موضوع الدراسة. إلا أنه أضاف إليهم من
حيث المحتوى بأن شملت أبحاثه موضوعات تعلقت بالأقليات العرقية والدينية ومنتحلي
مختلف المذاهب والملل(على طريقة أبو الفتح محمد بن عبدالكريم الشهرستاني) كالرقيق
واليهود ممن عاشوا بين ظهراني المسلمين. وهذا ما ميز أعمال لويس عن بعض المستشرقين
بإعتباره ساهم بشكل فعال في إخراج موضوعات الإستشراق من حيز القصور والبلاطات
والجوامع إلى رحب أوسع لتشمل مختلف نواحي ومكونات المجتمع الإسلامي. يعتبره البعض
بأنه، من بعد المستشرق الفرنسي كلود كاهن(19) (Claude Cahen)، الذي يعد أول من
طبق النظريات الإقتصادية الحديثة ونظريات التاريخ الإجتماعي على موضوعات أبحاثه؛
المجتمعات الإسلامية.وهذه إضافات مهمة لو أن تجربة لويس لم تقتصر على إستنبول، على
أهميتها، وأن مصادره لم تقتصر على أرشيف المخطوطات العثمانية، على ثراها. فلا استنبول
الكمالية ولا أرشيف المخطوطات العثمانية ولا الذكاء الخارق،المفترض، لأي مستشرق سوف
يغني عما توفره مكتبات القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد وطهران من مصادر للبحث والتنقيب
والإطلاع وبالتالي فهم وتحليل مكونات وخصائص الذاتية لما أصطلح على تسميته بالشرق
الأوسط.

نسمـ،ــه
22-09-2006, 12:07 AM
عندما سمحت السلطات التركية لبرنارد لويس بالإطلاع على محتوى ما لديها من وثائق ومخطوطات خاصة بالإمبراطورية العثمانية، سنة 1949. حينها كانت، ولا زالت، تركيا قد خلعت عنها ثوب الخلافة، وألغت إستعمال الأحرف العربية، كإحدى خاصيات الدولة القومية الكمالية العلمانية التركية الحديثة. ظلت تركيا تحت حكم حزب الشعب منذ إستلام كمال أتاتورك السلطة سنة 1923 وحتى أيار/مايو 1950، وعلى إثر تعديل قانون الإنتخابات التركي، صعدت حركة الديمقراطيين إلى السلطة بعد أن فازت بأغلبية الأصوات، حينها علق لويس على عملية إنتقال السلطة بأنها:" تشكل حدثا لا سابق له في تاريخ البلد (تركيا) وفي تاريخ المنطقة" معتبرا ذلك نتيجة حتمية لسياسات كمال أتاتورك، الذي، حسب رأي لويس، " من إتخذ إجراءات حاسمة كي يحظى بقبول الغرب". لا يتردد لويس عن إظهار إعجابه بشخص كمال أتاتورك، وبما قام به من أجل تأسيس النموذج التركي كما نراه اليوم. خاصة فيما يتعلق بما يسمى "بالعلمانية التركية"، أي فصل الدين عن الدولة وإستيراد مفاهيم الحداثة الغربية من الخارج وفرضها على المجتمع من فوق، "من أجل الشعب بالرغم عن الشعب" على حد تعبير كمال أتاتورك. وهذه بعض الإنتقادات التي يواجهها لويس من معارضيه الذين شككوا ليس فقط في حياديته المفترضة وفي طبيعة نواياه ودوافعه بل وفي سلامة إدراكه وصحة فهمه لمواضيع أبحاثه، حجتهم في ذلك أن الرجل إنما إعتمد في دراساته الميدانية للتاريخ الإسلامي عامة والعربي خاصة على مصدر واحد، ومن مكان واحد. ويستمر منتقدوه في القول إن لويس ظل على الدوام مولعا بالمثال التركي وكأنه قدوة يتوجب على سائر شعوب المنطقة عامة، والعرب خاصة، الإقتداء به هذا إن أرادوا الخروج من "ظلمات العصور الوسطى".

في الحقيقة إنبرت النخب السياسية التركية في جهد محموم ومتعثر، إلى حد هذه اللحظة، من أجل الإندماج بالغرب منذ بداية القرن العشرين، منذ أيام ضباط جمعية "الإتحاد والترقي" ومنظمة "تركيا الفتاة". أي قبل إستلام كمال أتاتورك السلطة وقبل قدوم لويس إلى إستنبول بحوالي خمسة عقود. بحيث أصبحت عقدة الأحلاف مع الغرب تحديدا تشكل ثابتا بنيويا من ثوابت سيكولوجيا الدولة التركية الحديثة. ولعل رياض نجيب الريس، أدق وأبلغ من تحدث عن هذه المرحلة من تاريخ تركيا الحديث، بقوله:" أول إتصال بهذا الإتجاه كان مع بريطانيا، قام به جاويد، وزير المالية في حكومة "الإتحاد والترقي". تحمس له تشرتشل في حينه ودعا إلى تأييده. لكن الحكومة البريطانية رفضته. وقام جمال، وزير البحرية، بإتصال مع فرنسا، فقوبل بالصدود. ثم قام طلعت، وزير البريد، بدافع اليأس، بالإتصال بروسيا، فردته خائبا على عقبيه. حتى جاء أنور وزير الدفاع، بعد أن فوضه الصدر الأعظم، بمفاتحة ألمانيا لقيام تحالف معها. وجاء الرد الألماني بالرفض. ولم تنجح مساعي الأتراك مع أي من الجهات الأوروبية، ولم توافق أي من الدول الكبرى على توفير الحماية لهم. وهكذا إكتملت العزلة الديبلوماسية للامبراطورية العثمانية على مشارف العام1914، والحرب العالمية الأولى على الأبواب"(20)

قد يتساءل القارىء عن العلاقة بين موضوعنا، المستشرق برنارد لويس، والحركات السياسية في تركيا - آخر أيام الإمبراطورية العثمانية- في مطلع القرن العشرين. والجواب ؛ بكل بساطة، هو أن تركيا، كانت، ولا زالت، ليس فقط ميدان بحث، ومصدرا للمعلومات، ومكان عيش برنارد لويس، أو كما يحلو لبعضهم أن يلقبه ب"أبو الدراسات الإسلامية" (Father of Islamic studies)، بل وأنموذجا يجوز القياس عليه، حسب رأيه، لما يجب أن تكون عليه الأمور في القاهرة وبغداد ودمشق والقدس وبيروت والقيروان وصنعاء وفاس ووهران. أي، بمعنى ما، يتوخى لويس منطق القياس، بناء على الأنموذج التركي، فكل من المقيس والمقيس عليه يشتركان في العلة- أحيانا الإسلام وأحيانا الشرق الأوسطية حسبما ما يراها هو- وبالتالي فإنهما يشتركان في الحكم، وبحسب وصفة هذا المستشرق، ما على العرب، إن أرادو الخروج من حالة القهر والفقر والتخلف والتنكيل والإستبداد بجميع أشكالة وتجلياته، سوى معانقة الحداثة وتبني قيم العصر؛ إحترام حقوق الإنسان (رجالا ونساء) والتداول السلمي للسلطة (الديمقراطية) وضمان الحريات العامة للجماعات كما للأفراد، وضمان حق التعبير عن الرأي، خاصة إن كان مخالفا، وإحترام مبدأ سيادة القانون والتخلي عن مبدأ العداء للغرب المتأصل – بحسب رأي هذا المستشرق- في عقيدة المسلمين وثقافتهم. وكي يحقق العرب ذلك ما عليهم سوى السير على خطى الأتراك، جيرانهم وحكامهم السابقين. وهذا في الحقيقة قول أقل ما يقال فيه أنه يجافي الصواب والحقيقة والتاريخ. قول بعيد عن الصحة بعد (بضم الباء) نوايا لويس عن الصدق. كم تمنى المرء لو أن سعة علم هذا المستشرق إتسعت نزرا قليلا لتشمل برعايتها الأكاديمية بعض التفاصيل والفوارق المهمة بين العرب والأتراك-مصدر إلهامه- تاريخا وثقافة وتوجها وذلك بالرغم من واقع الجوار الجغرافي ومن واقع كونهما يدينان بالإسلام وكون الأترك حكموا العرب وغيرهم بإسم الإسلام لما يفوق الأربعة قرون.

في معرض حديثه عن إزدواجية مواقف برنارد لويس السياسية والفكرية ليس تجاه قضايا منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل تجاه القضايا السياسية التي عرفتها تركيا الكمالية المعاصرة دون سواها، يشرح الباحث والمحلل السياسي البارز صبحي حديدي، مواقف برنارد لويس تلك فيقول: "والحال أنّ الديمقراطية التركية كانت علي الدوام عزيزة برنارد لويس، ليس فقط لأنها الوحيدة العلمانية في محيط شرس من الفقه (الإسلامي) اللاعلماني واللاديمقراطي في الجوهر، بل أساساً لأنها في رأيه المثال الوحيد الذي نجح في أيّ مكان من هذا العالم الشاسع الواسع المترامي الأطراف الذي تندرج أقوامه وإثنياته وعقائده وجغرافياته في تسمية واحدة خرافية هي دار الاسلام. لكنّ لويس سكت عن مشكلات هذه العزيزة ذات يوم، في عام 1998، حين اتخذت المحكمة الدستورية التركية قراراً بحلّ حزب الرفاه، ومصادرة ممتلكاته، وحظر العمل السياسي علي خمسة من قادته حدث أيضاً أنهم كانوا نوّاب الشعب المنتخبين شرعاً، وحدث كذلك أن بينهم رئيس الحزب ورئيس وزراء تركيا السابق نجم الدين أربكان! الطريف أنّ كبير المستشرقين كان أقلّ ديمقراطية من جيمس روبن، الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية آنذاك! الأخير اعتبر أن الولايات المتحدة لا تدعم ولا تناهض أياً من الأحزاب السياسية التركية، ولكن الإدارة لا تخفي قناعتها بأن حظر العمل السياسي لأي حزب يضعف الثقة في الديمقراطية التركية، لأنه يمسّ في الجوهر مبدأ تعدد الأحزاب. أكثر من ذلك، طاب للرجل أن يعطي الأتراك دروساً في أصول الديمقراطية حين ذكّر بأن أي إصلاح سياسي لا بدّ أن ينهض علي المزيد من تعزيز حرية التعبير وحرية الاجتماع. لم نسمع كلاماً من برنارد لويس آنذاك، هو الذي بشّر طويلاً، واستبشر مراراً، بالتجربة التركية في الديمقراطية التعددية والعلمانية السياسية والدستورية: هذه التي لم تكن من صنع الحكام الإمبرياليين، ولم تفرضها القوي الغازية الظافرة. لقد كانت خياراً حرّاً مارسه الأتراك حين انتهجوا طريق الديمقراطية الطويل والشاق والمزروع بالعقبات، ولكنهم برهنوا أن حسن النية والتصميم والشجاعة والصبر كفيلة بتذليل تلك العقبات والتقدّم علي طريق الحرية."(21)

الإشكال القائم هنا، هل أن "حكيم الزمان" ( Sage for the Age) برنارد لويس، محق في وصفه لواقع العرب والمسلمين، هؤلاء الرافضون لقيم الحداثة ونهج العصرنة المعادون للغرب ومبادئه، ومصيب في رأيه لما يعانوه من علل تنخر واقعهم المزري؟ والجواب نعم ولا. نعم من حيث الوصف، وقطعا لا من حيث إحالته حالة الضعف والإندحار تلك إلى أسباب هي في الحقيقة إما متوهمة كقوله إن العرب غير مؤهلين ذاتيا لتبني وهضم قيم الغرب وبالتالي التصالح معه بمعنى، الخنوع والخضوع والركوع أسوة بالمثال التركي.

هل لويس مصيب في تشخيصه لأسباب هذه العلل ومؤتاها؟ هذه مسألة يستحيل على عاقل أن يتفق فيها مع لويس. بل لنتمادى أكثر في التساؤل البريء ونقول هل هو صادق في نواياه ونزيه في دوافعه تجاه المسلمين عامة والعرب خاصة؟ وهذه أيضا مسألة لا تحتمل أكثر من رأي. وهل هو متسلح دائما بسلاح النزاهة العلمية والحياد الأكاديمي في كل ما قاله وكتبه عن العرب والمسلمين؟ وهذه أيضا مسألة إضافة إلى كونها قد تحتمل النقاش والبرهان، قد يصعب على الباحث أن يعثر على أي حجة أو قرينة تؤكدها ولو على سبيل الخطأ،. وهل كتابات لويس عن الإسلام والمسلمين عارية تماما من أي غطاء إيديولوجي وخالية تماما من أي توجه سياسي أو عقائدي له مصلحة أو مصالح معينة في إبقاء التغييرات الجذرية التي حدثت غصبا في المنطقة منذ 1948؟ وبإختصار، هل أن في كتابات لويس ما يدل أو يشير أو حتى يوحي سواء أكان ذلك تلميحا أو تصريحا إلى أنه يحترم العرب؟ والجواب قطعا لا. بكل بساطة لا يوجد أي دليل على ذلك. وبالنهاية، هذه وغيرها مسائل متروكة أولا وأخيرا لذكاء القارىء وتمرسه الفكري.

نسمـ،ــه
22-09-2006, 12:08 AM
انثروبولوجيا سياسية :


صحيح أن المستشرقين المعاصرين إعتمدوا في دراساتهم وأبحاثهم على أعمال أسلافهم من المستشرقين القدماء، الأوروبيين تحديدا.تم بعث أول كرسي لتدريس اللغة العربية في جامعة كامبريدج، انلجترا، سنة 1633، على يد السير توماس آدامز. وفي باريس،فرنسا، تم تأسيس مدرسة اللغات الشرقية سنة 1794. وفي هامبورغ، ألمانيا، تم بعث "المعهد الإستعماري" سنة 1907، لدراسة وتدريس تاريخ وثقافات الشرق الأدنى. هذا بالإضافة إلى مدرسة اللغات الشرقية التي أسست في برلين، ألمانيا سنة 1887.طبعا لا يمكن للمرء أن يغفل لا عن قيمة و لاعن حجم إسهامات المستشرقين الألمان خاصة،الذين، بالإضافة إلى توخيهم أساليب ومناهج حديثة بمقاييس عصرهم في أبحاثهم المتعلقة بما أصطلح على تسميته بالدراسات الإسلامية، معتمدين على الإنثروبولوجيا الثقافية، التي، تعترف وتحترم-إلى حد ما- المكونات الثقافية والخصوصيات الحضارية المحلية للمجتمعات موضوع الدراسة (مدرسة هايدلبرغ الألمانية). ومنهم من إعتمد على علم إجتماع التاريخ/ سوسيولوجيا تاريخية، أي قيام أبحاثهم على تفسير مادي لمختلف جوانب ونواحي الثقافة العربية-الإسلامية. ورغم إختلاف المناهج الإبستمولوجية المتوخاة من قبل هؤلاء المستشرقين الأوائل، فإن الباحث يقف على حقيقة أن معظم هؤلاء إنما كانوا ينظرون إلى المسلمين عامة والعرب خاصة على أنهم شركاء تاريخيون لهم ممن أسهموا بإمتياز، في حقبة ما من تاريخ البشرية، في إثراء المسار الحضاري الكوني. ومن هذا المنطلق لم تسهم أعمال هؤلاء في تعريف الغرب،آنذاك، بالعرب والمسلمين دينا وثقافة ونمط عيش وحكما فحسب، بل نجد أن الكثير من الباحثين العرب والمسلمين إستفادوا أيما إستفادة من أعمال هؤلاء المستشرقين وما تسلحوا به من أدوات إبستمولوجية (علم أدوات المعرفة) في بحوثهم المتعلقة سواء بالدراسات الإسلامية أوبالتاريخ الإسلامي نفسه. لذلك يصعب على المرء أن ينعت هؤلاء المستشرقين أو أبحاثهم بأنهم أعداء بحكم أنهم لم يتعاملوا أو يعتبروا أن الإسلام يشكل خطرا محدقا بهم يتوجب عليهم محاربته في العمق، بل وفي العمق الذي ما بعده عمق ربما. كما أنهم، أي مستشرقو ذلك العصر لا ساسته، لم ينظروا لا إلى المسلمين ولا إلى العرب على أنهم خصوم لهم يجب تشويههم وتحقيرهم وإستعمارهم والتنكيل بهم وبمعتقداتهم ومقدساتهم. وأن القوة بمختلف أشكالها وتجلياتها هي الأسلوب الأوحد الوحيد الأحد للتعامل معهم، بإعتبارهم لا يفهمون ولا يخضعون (بضم الياء) إلا بالقوة العارية. على غرار ما تطالعنا به، للأسف، كتابات بعض متلحفي إستشراق اليوم "المشرقن"، كأن عبد الله بن سبأ لازال حيا يرزق يعمل بكد لا يلين تحركه نقمة تفوق الوصف ثأرا لبني قريضة وبني النضير.

هذا لا يعني إصدار صك براءة لجميع المستشرقين القدماء، وكذلك لا يعني أيضا القول بأن كل أعمالهم وأدوارهم ملائكية. نجد أن نابوليون بونابارت، قبيل غزوه لمصر سنة 1799، كان قد ألحق بجيشه الإمبراطوري (La grande Armee) عددا لايستهان به من خريجي مدرسة اللغات الشرقية الباريسية. وكلنا يعلم أيضا أن المستشرق الألماني الكبير بارت، كان قد عمل في الجيش النازي كمترجم للماريشال رومل في شمال إفريقيا أثناء الحرب العالمية الثانية. لعل مؤلف "أعمدة الحكمة السبعة" تي،إي، لورانس (1888-1935)، المعروف بلورانس العرب، أشهر مثال على ما يمكن أن يلعبه المستشرق من أدوار. لكن الموضوعية تقتضي الإشارة إلى أن المسألة هنا متعلقة بإستعمال وإستفادة الدولة من الإستشراق مؤسسة وأفرادا في تنفيذ مخططاتها الإستعمارية في الخارج.

ولعل محتويات المكتبة العربية المعاصرة من أعمال مترجمة (وغير مترجمة) لخير دليل على غزارة وثراء إسهامات هؤلاء المستشرقين بما لها وما عليها. لقد تعامل هؤلاء مع ثقافة العرب والمسلمين وتاريخهم بكل صدق ونزاهة وموضوعية كأبسط مقومات أي عمل أكاديمي- تاريخي. يأتي على قمة هذه الأعمال، كتاب "تاريخ الأدب العربي" لكارل بروكلمان (1868-1956)، وهو عبارة "عن إنسكلوبيديا دون فيها جميع المؤلفات والكتب مع التعريف بأصحابها التي صدرت عبر التاريخ وحتى سنة1937"(22) . هذا بالإضافة إلى كتابه الشهير" تاريخ الشعوب الإسلامية". وكتاب "التاريخ الأدبي للعرب"(23) لراينولد نيكولسون (1945-1868-). وكتاب " الدولة العربية وسقوطها" للمستشرق الألماني يوليوس فيلهاوزن. أو مؤلفات المستشرق الهنغاري إيغناس غولدزيهر(1921-1850) "مدخل لدراسة الشريعة والقانون في الإسلام"(24) . والسير توماس ولكار أرنولد (1864-1930)، مؤلف كتاب"ملحمة الإسلام"(25) . لم تقتصر الكتابات عن موضوع الإستشراق على الأوربيين والأميركيين من بعدهم، فقد ساهم الكتاب العرب مبكرا بالعديد من الكتب القيمة مثل كتاب البرت حبيب حوراني (1915-1993)، " أوروبا والشرق الأوسط"، وفيليب خوري حتي (1886)، مؤلف كتاب "العرب؛ تاريخ موجز"(26) وطريف الخالدي (1938)، مؤلف "الفكر التاريخي العربي في مرحلة صدر الإسلام". وجورج مقدسي، الدكتور بجامعة هارفارد وصاحب العديد من المؤلفات لعل أبرزها " ظهور الجامعات: مؤسسات التعليم في الإسلام والغرب"، خصصه للبرهنة على درجة إستفادة أوروبا القرون-الوسطى من تقليد مؤسسات التعليم لدى العرب في ذلك الوقت. والراحل إدوارد سعيد، صاحب كتاب "الإستشراق" الشهير. طبعا، هذا بالإضافة إلى كتابات غيرهم الأكثر شهرة لدى القارىء العربي، مثل جمال الدين الأفغاني (1838 ـ 1898)، صاحب "العروة الوثقى"ومحمد عبده (1849ـ 1905) والطاهر بن عاشور وعبد الرحمان الكواكبي ورشيد رضا وقاسم أمين وعلي عبد الرازق صاحب "الإسلام وأصول الحكم"، ورفاعة الطهطاوي(1873) مؤلف "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، وغيرهم كثير ممن كتبوا متأثرين إيجابا بما يحدث في، ويصدر عن الغرب، أوروبا آنذاك، منادين بإحداث ما اعتبروها، حينها، إصلاحات ضرورية للحاق بركب الأمم المتقدمة. بل يكفي الباحث العربي أن يعود، اليوم، إلى ترجمات عبد الرحمان بدوي ومحمد عبدالهادي أبو ريدة وأعمال جواد علي، صاحب:"المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" أو كتابات أمين الخولي، ليدرك مدى قيمة أعمال المستشرقين وغزارة إضافاتهم للثقافة الإسلامية. لا أحد يشكك في مدى عمق معرفة ولا في سعة إطلاع هؤلاء على مؤلفات المستشرقين وكتبهم، مما يؤهلهم ويمنحهم القدرة على التمييز بعقلانية صارمة وبسهولة بين عدو مملوء حقدا وكراهية محرف لأحداث ووقائع التاريخ ماضيا حتى تتناسب مع واقع الجغرافيا المغتصبة حاضرا، وبين باحث نزيه مدفوع بحب المعرفة كأرقي سلوك إنساني، حتى وإن تلحف كلاهما بجلباب الإستشراق الذي ما إنفك يزداد ثقوبا وإهتراء.

ليس بإمكان المرء التقليل أو تبسيط علاقة الغرب المسيحي بالمشرق الإسلامي، علاقة إتسمت، عبر مئات السنين، بالتعقيد والتشعب والغموض وحب السيطرة/العنف على الآخر، بل هي علاقة قائمة على ثنائية الحب -الكراهية في نفس الوقت عملا بالتعبير الشائع(Love-hate relationship). إلا أنه كان، ولا زال، هناك ثابت يحكم آليات هذه العلاقة بمجملها، ألا وهو قانون التأثير والتأثر، فكلا الطرفين تأثر سلبا وإيجابا سواء بما قام به أو توصل إليه الطرف الآخر. لذلك شملت حالة الأخذ والعطاء هذه جميع نواحي الحياة تقريبا؛ ثقافة وأدبا وسياسة وفكرا ومعتقدا وتكنولوجيا بل وشملت حتى الملبس والمأكل.

يتعامل المؤرخون الغربيون مع موضوع الإستشراق من موقعين متبايني المنطلق والإتجاه. هناك من ينظر إلى العلاقة مع المشرق الإسلامي من منطلق الإعتراف بما أضافته الحضارة العربية-الإسلامية للتراث الحضاري للإنسانية جمعاء، وبالتالي فإن أبحاثهم تصب في إتجاه تكاملي متصالح، إلى حد ما، مع الذات ومع الطرف الآخر، بحيث يتم الإحتكام إلى العقل في تسيير دفة هذه العلاقة التي من المفترض فيها، بحسب رأيهم، أن تقوم علىالحوار لا العنف وعلى الإحترام لا التحقير والتشهير. وهناك، من جهة أخرى، من ينظر إلى هذه العلاقة على أنها قائمة أولا وأخيرا على أسس صدامية (بكسر الصاد)، عنفية، خالية من أي حوار أو إحترام لخصوصية الآخر، يحتكم فيها إلى القوة عملا بفلسفة الوضعيين المناطقة (إما/ أو)، either / or))، إما غالبا أو مغلوبا، إما قاتلا أو مقتولا. للأسف، يبدو أن أصحاب هذا النهج في التفكير والمؤمنين بهذا المنطق، الذي أقل ما يقال فيه إنه أعرج ويفتقد إلى أبسط مقومات الفهم السليم، هم المنتصرون حاليا. ولعل ما يدور في منطقتنا من أحداث دامية على مدار العقود الأخيرة لخير دليل على ذلك.

فيما يخص ممارسة برنارد لويس للعمل السياسي على مدار العقود الماضية، نشرت صحيفة "وال ستريت جورنال" المحافظة تحقيقا حول الدور السياسي، بل الأدوار،التي لعبها برنارد لويس. حول هذا الموضوع كتب بيتر والدمان، صاحب التحقيق المشار إليه فقال: "سمها نظرية(برنارد) لويس، رغم أنه لم تتم مناقشتها في الكونغرس، ولم يتم إصدار مرسوم رئاسي بشأنها. إلا أن تشخيصات لويس لأمراض العالم الإسلامي ودعوته للغزو العسكري الأمريكي لزرع الديمقراطية في الشرق الأوسط، ساهمت في إحداث أكبر تغيير فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية على مدار الخمسين سنة الماضية. ولعل إحتلال العراق يشكل أهم إختبار لهذه النظرية."(27) وللرجل كذلك مواقف أخرى حول كبرى قضايا الشرق الأوسط، أي القضية الفلسطينية تحديدا، حيث نادى منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي، بقيام دولتين متجاورتين مطالبا الحكومة الإسرائيلية آنئذ بإختبار رغبة الفلسطينيين في الدخول في مفاوضات حول هذا الأمر. إلا أنه كتب في نفس تلك الفترة مقالة مطولة شارحا فيها، حسب رأية، إنعدام وإنتفاء أي حق تاريخي للفلسطينيين على أرضهم بإعتبار أن "فلسطين كدولة لم توجد على الإطلاق قبل الحكم البريطاني لها سنة 1918"(28) ، وهي كفكرة، نالت إعجاب الكثير من السياسيين إلى درجة أن غولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل حينها، وبعد أن طالبت جميع أعضاء حكومتها بقراءة تلك المقالة، طلبت الإجتماع ببرنارد لويس. في ذلك اللقاء الشهير بينهما، إستمعت رئيسة الوزراء إلى آرائه بإعجاب حول القضية الفلسطينية التي لم يتردد في شرحها بإسهاب على حد تعبير أمنون كوهين، الدكتور المحاضر في الجامعة العبرية في القدس(29

همسات القلب
23-09-2006, 09:22 PM
الأصالة والمعاصرة من الكلمات التي كثر الحديث عنها والدعوة إليها في العصر الحاضر ، وما من شيء أخطر على الدعوة من أن تلتبس سماتها الأساسية أو يلابس خصائصها غموض أو اضطراب.

ويقصد بالأصالة " المحافظة على جوهر الدعوة باستنادها إلى الأصول والأدلة الشرعية والتمسك بمبادئها الأساسية " والمعاصرة هي : " تكافؤ الدعوة مع العصر الذي تعيش فيه بحيث تعالج واقعه وتلبى متطلباته " ومن هذا التعريف يتضح أن وصف الدعوة بالأصالة وصف صالح لكل زمان ومكان.

ووصف الدعوة بالمعاصرة أيضاً صالح لكل زمان ومكان ، وليس وصفاً خاصاً بالعصر الحديث كما قد يتوهم ، فدعوة الناس بلسانهم ولغتهم معاصَرة , واختيار الأسلوب الدعوى المناسب لموقف من المواقف معاصَرة واستخدام الوسائل المتوفرة في عصر من العصور لنشر الدعوة معاصرة


دمت بخير نسمه


همسات

نسمـ،ــه
26-10-2006, 12:25 AM
الأصالة والمعاصرة من الكلمات التي كثر الحديث عنها والدعوة إليها في العصر الحاضر ، وما من شيء أخطر على الدعوة من أن تلتبس سماتها الأساسية أو يلابس خصائصها غموض أو اضطراب.

ويقصد بالأصالة " المحافظة على جوهر الدعوة باستنادها إلى الأصول والأدلة الشرعية والتمسك بمبادئها الأساسية " والمعاصرة هي : " تكافؤ الدعوة مع العصر الذي تعيش فيه بحيث تعالج واقعه وتلبى متطلباته " ومن هذا التعريف يتضح أن وصف الدعوة بالأصالة وصف صالح لكل زمان ومكان.

ووصف الدعوة بالمعاصرة أيضاً صالح لكل زمان ومكان ، وليس وصفاً خاصاً بالعصر الحديث كما قد يتوهم ، فدعوة الناس بلسانهم ولغتهم معاصَرة , واختيار الأسلوب الدعوى المناسب لموقف من المواقف معاصَرة واستخدام الوسائل المتوفرة في عصر من العصور لنشر الدعوة معاصرة


دمت بخير نسمه


همسات

ولك كل التحية يا همسات الجميلة

نسمة

نسمـ،ــه
27-10-2006, 06:21 PM
انا موظف لدى الكتابة



وائل عشري



هنا مقتطفات من الحوار المطول الذي نشرته مجلة ¢ذا باريس ريفيو¢ الأمريكية مع باموق قبل حصوله عن نوبل ويتحدث فيه عن أسرار العملية الإبداعية. الحوار نشر في عدد خريف وشتاء 2005 ، وقد أجري الحوار في عامي 2004 و 2005

أين تكتب؟
اعتقدت دائما أن المكان الذي تنام فيه ، أو تعيش فيه مع شريكة حياتك يجب أن يكون منفصلا عن المكان الذي تكتب فيه. بطريقة ما تقتل الطقوس والتفاصيل المنزلية الخيال. يقتلون الملهم داخلي. فالروتين اليومي المنزلي ، المدجن يجعل الشوق للعالم الآخر ، ذلك الذي يحتاجه الخيال كي يؤدي عمله ، يتلاشي. ولهذا ، لسنوات طويلة كان لدي دائما مكتب أو مكان صغير خارج البيت كي أعمل فيه. كان لدي دائما شقق متعددة.
لكن ذات مرة ، قضيت فصلا دراسيا في الولايات المتحدة بينما كانت زوجتي السابقة تدرس من أجل الحصول علي الدكتوراه في جامعة كولومبيا. كنا نعيش في شقة مخصصة للطلبة المتزوجين ، ولم يكن لدينا مساحة كبيرة ، لذلك اضطررت للنوم والكتابة في نفس المكان. كانت الأشياء التي تذكرني بالحياة العائلية في كل مكان. أزعجني ذلك. وفي الصباح اعتدت أن أودع زوجتي مثل شخص يذهب إلي العمل. كنت أغادر البيت ، أسير لبعض الوقت ، ثم أعود مثل شخص يصل إلي مكتبه.
منذ عشرة أعوام وجدت شقة تطل علي البوسفور ، كما تطل علي منظر للمدينة القديمة. لها ، ربما ، أفضل إطلالة علي اسطنبول ، وتقع علي بعد 25 دقيقة سيرا من حيث أسكن. تملؤها الكتب ويتوجه مكتبي فيها ناحية المنظر. أقضي هناك حوالي عشرة ساعات يوميا ، في المتوسط.
عشرة ساعات يوميا؟
نعم ، أنا أعمل بجد. استمتع بذلك. يقول الناس أنني طموح ، وربما ثمة حقيقة في ذلك أيضا. لكنني أحب ما أفعل. استمتع بالجلوس لمكتبي كطفل يلهو بألعابه. هو عمل ، بالأساس ، لكنه متعة وألعاب كذلك.
أورهان ، سميٌك وراوي ¢ثلج¢ ، يصف نفسه بأنه موظف كتابي يجلس إلي مكتبة في نفس الوقت كل يوم. هل لديك نفس الانضباط في الكتابة؟
كنت فقط أؤكد علي طبيعة عمل الروائي التي تشبه عمل الموظف الكتابي علي عكس الشاعر الذي يتمتع بمكانة تقليدية رفيعة في تركيا. أن تكون شاعرا هو أمر محترم جدا ويجلب شعبية. معظم السلاطين ورجال السياسة العثمانيين كانوا شعراء. لمئات من السنين كان الشعر الطريق كي تجعل من نفسك مثقفا. معظم هؤلاء الناس اعتادوا أن يجمعوا قصائدهم في مخطوطات تجسمي ¢ديوان¢. في الحقيقة ، يجسمي شعر البلاط العثماني ب ¢الشعر الديواني¢. ونصف رجال السياسة العثمانية أصدروا دواوين. كان غالشعرف طريقة رفيعة وراقية لكتابة الأشياء ، لها الكثير من القواعد والطقوس. كان تقليديا جدا ومكررا جدا. بعد ورود الأفكار الغربية لتركيا ، أضيف لهذا التراث الفكرة الرومانسية والحديثة للشاعر كشخص يتحرق شوقا للحقيقة. أضاف ذلك بعدا إضافيا لمكانة الشاعر المميزة. في الناحية الأخري ، الروائي شخص يغطي مسافات شاسعة عبر صبره ، ببطء ، مثل نملة. يثير الروائي إعجابنا ليس عن طريق رؤيته الملهمة أو الرومانسية ، بل عن طريق صبره.
هل سبق أن كتبت شعرا؟
كثيرا ما يوجه لي هذا السؤال. كتبت شعرا حين كنت في الثامنة عشرة ، ونشرت بعض القصائد في تركيا ، ثم توقفت. تفسيري لذلك أنني أدركت أن الشاعر هو شخص يتحدث الله عبره. يجب أن تكون ممسوسا بالشعر. جربت يدي في كتابة الشعر ، لكنني أدركت بعد بعض الوقت أن الله لم يكن يتحدث إليٌ. أسفت لذلك ثم حاولت أن أتخيل لو أن الله يتحدث عبري ، ما الذي كان ليقوله؟ بدأت أكتب بحرص شديد ، ببطء ، محاولا التوصل لذلك. هذا هو كتابة النثر ، كتابة القص. ولهذا أنا أعمل مثل موظف كتابي. بعض الكتٌاب الآخرين يرون في هذا التعبير بعض الإهانة. لكنني أتقبله : أعمل مثل موظف كتابي.
هل يمكن أن تقول أن كتابة النثر أصبحت اسهل بالنسبة لك مع مرور الوقت؟
لسوء الحظ ، لا. أحيانا أشعر بأن علي الشخصية التي أكتب عنها أن تدخل غرفة ، ولا أعرف كيف اجعلها تفعل ذلك. ربما أصبح عندي المزيد من الثقة بالنفس ، التي يمكن ألا تساعد أحيانا لأنها تمنعك من التجريب ، فقط تكتب ما يأتي علي سن قلمك. أكتب القصص طوال الثلاثين عاما الماضية ، لذا ربما من الممكن أن أفكر أنني تحسنت قليلا. ومع ذلك مازلت أواجه أحيانا بطرق مسدودة حيث لا يخطر لي أبدا أن يحدث ذلك. الشخصية لا تستطيع دخول الغرفة ، ولا أعرف ما أفعل. مازال ذلك يحدث. بعد ثلاثين عاما.
تقسيم الكتاب لفصول مهم جدا للطريقة التي أفكر بها. حين أكتب رواية ، وحين اعرف مسار القصة بأكملها مقدما وغالبا ما يكون هذا هو الحال اقسمها لفصول وأقرر تفاصيل ما أريد أن يحدث في كلي منها. لا أبدأ بالضرورة بكتابة الفصل الأول ثم اكتب الفصول التالية بترتيبها. حين لا تواتيني الكلمات ، وهو ليس بالأمر الخطير بالنسبة لي ، أواصل كتابة أي فصل يجذب خيالي. ربما أكتب من الفصل الأول حتي الخامس ، ثم إذا لم أكن مستمتعا ، أقفز للفصل الخامس عشر وأواصل من هناك.
هل تقصد أنك ترسم خريطة الكتاب بأكمله مقدما؟
كل شيء. في ¢أسمي أحمر¢ ، علي سبيل المثال ، شخصيات عديدة ، وقد خصصت عددا معينا من الفصول لكل شخصية. حين كنت أكتب ، أحيانا كنت أريد أن أستمر في ¢كوني¢ شخصية منهم. وهكذا حين انتهيت من كتابة أحد فصول ¢شكور¢ ، ربما الفصل السابع ، انتقلت إلي الفصل الحادي عشر ، وهو فصلها أيضا. أحببت كوني ¢شكور¢. الانتقال من فصل لآخر أو من شخصية لأخري قد يكون محبطا أحيانا.
لكنني دائما ما أكتب الفصل الأخير في النهاية. هذا مؤكد. احب أن أثير نفسي ، أن أسأل نفسي كيف تكون النهاية. أستطيع تنفيذ النهاية مرة واحدة فقط. نحو الخاتمة ، وقبل أن أنتهي من الكتابة ، أتوقف وأعيد كتابة معظم الفصول الأولي.
هل لديك قارئ أثناء الكتابة؟
دائما ما أقرأ عملي علي الشخص الذي يشاركني حياتي. وأكون ممتنا دائما لو قال ذلك الشخص ، أرني المزيد ، أو ، أرني ما أنجزت اليوم. لا يقدم ذلك القليل من الضغط الضروري للاستمرار في العمل فقط ، لكنه أيضا مثل وجود أم أو أب كي يربت علي كتفك ويقول: أحسنت. ومن وقت لآخر يقول ذلك الشخص : ¢أسف ، هذا ليس جيدا.¢ هذا مفيد. يستهويني هذا الطقس.
دائما ما أتذكر نموذج توماس مان ، وهو أحد كتابي المفضلين. اعتاد أن يأتي بالعائلة بأكملها معا ، أبنائه الست وزوجته. اعتاد أن يقرأ لعائلته المجتمعة. أحب هذا. بابا يسرد قصة.
حين كنت صغيرا أردت أن تكون رساما. متي أخلي حبك للرسم الطريق لحبك للكتابة؟
في الثانية والعشرين. منذ كنت في السابعة أردت أن أكون رساما ، وقبلت عائلتي ذلك. جميعهم اعتقدوا أنني سأصبح رساما شهيرا. لكن شيء ما حدث في رأسي أدركت أن مفتاحا ما كان مفكوكا وتوقفت عن الرسم وبدأت علي الفور كتابة روايتي الأولي.
مفتاحا ما كان مفكوكا؟
لا أستطيع أن أحدد الأسباب التي دفعتني لعمل ذلك. لقد نشرت مؤخرا كتابا عنوانه ¢اسطنبول¢. نصفه يروي سيرتي الذاتية حتي تلك اللحظة ، ونصفه الآخر هو مقال عن اسطنبول ، أو علي نحو أدق ، نظرة طفل لاسطنبول. هو مزيج من التفكير في الصور والفضاءات المدينية وكيمياء المدينة : واستيعاب طفل لهذه المدينة ، وسيرة هذا الطفل الذاتية. آخر جملة في ذلك الكتاب كما يلي: لا أريد أن أكون فنانا ، قلت ، سوف أصبح كاتبا.¢ وما من تفسير يجعطي. ربما قراءة الكتاب كله قد تقدم تفسيرا ما.
هل كانت عائلتك سعيدة بهذا القرار؟
انزعجت أمي. كان أبي اكثر تفهما لأنه أراد أن يصبح شاعرا في شبابه وترجم ¢فاليري¢ للتركية ، لكنه تخلي عن ذلك حين أصبح محط سخرية الأوساط العليا التي كان ينتمي إليها.
قبلت عائلتك أن تكون رساما ، ولم تقبل أن تكون روائيا؟
نعم ، لأنهم لم يعتقدوا أنني سأكون رساما متفرغا. التراث العائلي كان العمل في الهندسة المدنية. كان جدي مهندسا مدنيا كسب الكثير من النقود في بناء السكك الحديدية. بدد أبي وأعمامي ذلك المال ، لكنهم درسوا جميعا في كلية الهندسة نفسها ، بجامعة اسطنبول التكنولوجية. كان متوقعا أن ألتحق بها أيضا ، وقلت: حسنا سوف أفعل. لكن بما أنني كنت الفنان في العائلة ، كانت الفكرة هي أنني يجب أن أصبح مهندسا معماريا. بدا ذلك حلا مناسبا للجميع. وهكذا التحقت بتلك الجامعة ، لكن في منتصف دراستي في الكلية هجرت الرسم فجأة وبدأت في كتابة الروايات.
هل كانت روايتك الأولي موجودة في ذهنك حين توقفت؟ هل هي ما حملك علي القيام بذلك؟
علي ما أتذكر ، أردت أن أصبح روائيا قبل أن أعرف ما سأكتب. في الواقع ، حين بدأت الكتابة بالفعل مررت ببدايتين أو ثلاثة فاشلة. مازالت الكراسات لدي. لكن بعد حوالي ست أشهر بدأت مشروع روائي ضخم نجشر في النهاية بعنوان ¢جودت بك وأولاده¢.
لم يترجم هذا الكتاب إلي الإنجليزية.
هي قصة عائلية ممتدة ... وبعد فترة قصيرة من كتابتها ، بدأت أشعر بالندم علي أنني كتبت شيئا علي هذه الدرجة من القدم ، رواية تنتمي للقرن التاسع عشر تماما. ندمت علي كتابتها لأنني في حوالي الخامسة أو السادسة والعشرين ، بدأت أفرض علي نفسي فكرة أنني يجب أن أكون مؤلفا حديثا. وعندما نجشرت الرواية بالفعل كنت في الثلاثين ، وكانت كتابتي قد أصبحت أكثر ميلا نحو التجريب.
حين تقول أنك أردت أن تصبح أكثر حداثة ، وتجريبيا ، هل لديك نموذج معين في ذهنك؟
في ذلك الوقت ، لم يعد الكتٌاب العظام بالنسبة لي هم تولوستوي ، وديستيوفسكي ، وستندال ، وتوماس مان. أصبح أبطالي فيرجينيا وولف ، وفوكنر. الآن أضيف بروست ، ونابوكوف للقائمة.
السطر الأول من ¢الحياة الجديدة هو: ¢قرأت كتابا ذات يوم فتغيرت حياتي بأسرها¢. هل كان لأي كتاب هذا التأثير عليك؟
¢الصخب والعنف¢ كان عملا هاما بالنسبة لي حين كنت في الواحدة أو الثانية والعشرين. كنت قد اشتريت نسخة من طبعة دار بنجوين. وكان من الصعب عليٌ جدا أن افهمها ، خاصة بإنجليزيتي الضعيفة. لكن كان هنالك ترجمة رائعة للرواية بالتركية ، وهكذا كنت أضع النسختين الإنجليزية والتركية جنبا إلي جنب فوق الطاولة ، وأقرأ فقرة من أحدهما ثم أعود إلي الآخر. لقد ترك هذا الكتاب علامة فيٌ. ما تبقي هو ذلك الصوت الذي طورته. بدأت بعدها مباشرة في الكتابة بضمير المتكلم. معظم الوقت أشعر بأنني أفضل حين أتجسد في شخص آخر ، بدلا من أن أكتب بضمير الغائب.

تحياتى

نسمة

نسمـ،ــه
27-10-2006, 07:53 PM
هل مات المثقف؟
السياسة بوصفها ممارسة للسلام الاجتماعي!
د. سعيد الوكيل
هل مات المثقف أم لا يزال بإمكانه أن يكون له دور في مواجهة العنف وتحقيق التسامح؟ كم من نهايات وصور من الموت صاغتها أقلام كتٌاب وباحثين: نهاية التاريخ، موت المؤلف، موت الإله، موت الموت، موت الكلمة، .....إلخ. ويأتي عبد الكريم الخطيبي ليعلن أن للمثقف حياة، وهي حياة مشروطة بشروط متعددة في ظل ما يحياه العالم من مظاهر تقنية واقتصادية وحضارية أفرزت ظواهر مؤثرة في الثقافة من بينها: لا تموقع الثقافات وسياسة الذاكرة.



والظاهرة الأولي ¢لا تموقع الثقافات¢ تشير إلي انكسار العلاقة بين الثقافة وما تحيل إليه من معالم هوية تتمثل في التاريخ والتراث والمرجعيات والمكان، أما ¢سياسة الذاكرة¢ فتعني أن العلم التقني يقوم بإعادة صناعة الذاكرة والتأثير في الرأي العام.


دور المثقف في العالم الجديد


يحتاج المثقف في ظل هذه الظروف ¢إلي إستراتيجية مزدوجة، فمن جهة يتعين عليه أن يحافظ علي استقلالية فكره ليشكل هوية جديدة تتلاءم مع مسلسل العولمة و اللاتموقع. ومن جهة أخري يتعين عليه أن يتحاور مع المختصين في الفكر والباحثين والمبتكرين والخبراء الذين يصنعون الرأي العام الدولي¢. وبهذا الوعي يستطيع المثقف أن يقوم بدوره المحوري في العالم في مواجهة العنف الذي يبدو ملمحا أساسيا في الحياة ¢وبما أن العنف مندمج في الحياة، يجب ألا ننكره بل أن نخلصه من اللامعقول. إذ يظل الفن الحليف الطبيعي للدفاع عن الإنسان في مواجهة ذاته وضد عنفه الذاتي. فعلاوة علي كونه ترفيها عن النفس، فإن الفن تجل للحياة: إذ لا يجعلنا نحلم فقط وإنما ينقل قوة حياة نحتاجها جميعا لمواجهة حركية العالم¢
ولا ينفصل هذا الدور عن الدور التقليدي للمثقف عابر الحدود بين الثقافات، وأعني به من يتصدي للترجمة: ¢فالمترجم هو رجل الحوار بين الحضارات من خلال اللغة. والترجمة مهمة حتمية لتحيين المعرفة والتعرف علي الآخر. وهكذا يجب أن نترجم المؤلفات القديمة والحديثة للبشرية التي تطبع عصرنا¢.


السياسة والتسامح


ينطلق عبد الكريم الخطيبي * في مجموعة مباحثه الواردة في كتاب السياسة والتسامح _ من فهم للسياسة بوصفها ممارسة للسلام الاجتماعي، وهو فهم يتأسس علي مجموعة من القيم التي تعد القاعدة الأساسية لحقوق الإنسان في صيغها الحديثة، ومن تلك القيم استقلال الفرد وحرية الفكر والمواطنة والمشاركة في امتلاك الخيرات المادية والمعنوية بموجب عقد اجتماعي منصف لكل أفراد المجتمع.
وهذا الفهم للسياسة يربطها علي نحو مباشر بالتسامح، وهو ما يتضح جليا في ¢إعلان مبادئ التسامح¢ الذي أصدرته اليونسكو في دورتها لسنة 1995 مقررا أن التسامح ¢ليس فقط مجرد التزام أخلاقي، وإنما هو أيضا ضرورة سياسية وقانونية ¢، وأن ¢التسامح فضيلة وممارسة تجعل السلم ممكنا بين الشعوب، باستبدالها الصريح للحرب باللاعنف، فيتحول إلي تسامح نشيط يتملك حق تحييد ووقاية وحماية وتربية الشعوب، في ممارستها للسياسة¢.
يري الخطيبي أن في العالم الآن مقاومة غير معقولة وفوضوية أحيانا ضد التسامح، نتجت عن استلاب معالم الهوية، تأثرا بالتغيرات الاقتصادية والتقنية العلمية، وهو ما يشير إلي أن التسامح والتعصب ¢يعتبران في العمق مشكلا اجتماعيا وتاريخيا¢
إن تحقق التسامح في ظل التعدد يفترض بين طرفي التسامح وجود طرف ثالث يضبط المعادلة وهو المؤسسات السياسية التي لا تميز بين أفراد المجتمع علي أساس العرق أو الجنس أو اللغة أو الأصل الوطني أو الدين أو غير ذلك، ومن ثم فإن دور الدولة *بحسب إعلان التسامح* يقتضي ¢العدل والنزاهة في مجال التشريع وتطبيق القانون وممارسة السلطة القضائية والإدارية. كما يقتضي أن يستفيد كل فرد من الفرص الاقتصادية والاجتماعية دون أي تمييز. ويمكن أن يؤدي الإبعاد والتهميش إلي الحرمان والعداء والتعصب¢.


نموذج الحضارة


ألا يقتضي البحث عن التسامح وعيا بالتقاطع الثقافي والتنوع الحضاري؟ اختلاف النماذج الحضارية هو موضوع المبحث الأخير في ذلك الكتيب الصغير، تحت عنوان ¢نموذج الحضارة¢. لكن البحث في التنوع الحضاري ليس بالأمر اليسير، فكلما كانت الحضارة قديمة: أخفت أسرار نضجها البطيء. وهذا النضج لا يمكن فهمه بالنظر إلي زاوية واحدة: إذ ¢ينبغي لمعالجة الحضارات تحليل وحدتها الداخلية ونضجها البطيء، والبدء بدراسة وجود الإنسان كأثر وبصمة حية للطبيعة، لنتبين بروز قدرات فكره من خلال الأعمال التي أنجزها¢. وتمثل العناصر التي تجرصد في النموذج الحضاري ¢مؤشرات لقياس استمرار حضارة ما، وقواها الواعية وغير الواعية التي تمكنها وتمكننا من الحياة¢.
ولكي تدوم حضارة فإنها تنتقل عبر المعيش، ومن خلال تعزيز الموروث. ويقدم الخطيبي نموذجه المتمثل في الحضارة المغربية، معتمدا علي الدراسة فينومينولوجية للإنسان والمكان إذ يتجليان للوعي، فيري أن المعيش المتأثر بالموروث اتخذ في المغرب عدة أشكال:
¢* صوتي: الأدب الصوتي والغناء والموسيقي.
* حركي الرقص ومراسيم الاحتفالات والمواسم وفن تقديم المشاهد.
* منقول: التحف الفنية المختلفة علي حاملات متنوعة بدورها.
* ثابت الهندسة المعمارية والعمران¢
ويري الخطيبي أن الحضارة المغربية يدخل في جسدها عناصر عدة متكاملة متنازعة معا: فكما أن ¢اللغة العربية لم تقض علي اللغة الأمازيغية، فإن الفن الإسلامي المستورد لم يقض علي الموروث الأصلي للمغرب. وهذه ثنائية خصبة في تكامل وتنازع¢
وقد ترتب علي الطبيعة الخاصة لتكامل عناصر الحضارة المغربية تشكل ثلاثية تتمثل في:
¢* فن المقدس: الشكل الهندسي للمساجد. الأثاث الطقوسي والمدارس والمصليات والزوايا والمقابر دون نسيان الموسيقي والأذكار أو فنون الكتاب والخطاطة والنقوش.
* فن دنيوي: في المعمار (القصور والبيوت والحمامات والفنادق والنافورات)، وفي الفنون اليدوية التي ابتدعتها الهيئات الحرفية الحضرية والقروية، أو في الموسيقي والأغاني التي تلازم صوت الأرياف والجبال في القري النائية الموجودة في الأطلس.
* فن توفيقي: جد مركب. وهو عبارة عن خليط سحري يلتقط الدلائل البينية والصور الواردة من نور الإسلام، أو من ماض وثني.¢
تبقي الإشارة إلي أن هذا الكتيب الذي لا تتجاوز صفحاته الخمسين يضم مبحثا كان قد صدر في كتاب نشر بالمغرب وفرنسا، وعنوانه ¢نموذج الحضارة¢، بالإضافة إلي ثلاث محاضرات ألقيت في مصر، والمغرب، وفرنسا، والولايات المتحدة، وعناوينها: ¢دور المثقف في حوار الثقافات¢، و¢السياسة والتسامح¢، و¢كيف أحلم القرن المقبل؟¢ وقد جمعت تلك الأعمال في هذا الكتيب وترجمها عز الدين الكتاني الإدريسي، وأستطيع أن أقول إنني التمست بعض العناصر الجامعة بين المباحث كلها، وإن لم أنجح في ضم مبحث ¢كيف أحلم القرن المقبل؟¢ إليها، لذا لم أتطرق إليه. ويبدو أن الكتاب كان بحاجة إلي تصدير جاد يكتبه باحث عليم بفكر الخطيبي وبسياق تأليف تلك المباحث، بدلا من ذلك التصدير الهزيل الذي اكتفي باجتثاث بعض الفقرات من مباحث الكتاب ورصها متوالية من غير رابط منطقي بينها ثم ذجيٌل بتوقيع الناشر (مكتبة الأسرة).
وأخيرا، أقول إن هذا الكتيب دعوة مهمة لتفعيل دور المثقف في هذه اللحظة الراهنة، واستشراف لعالم يؤمن بأخلاق التسامح وقبول الآخر، وكم نحن بحاجة ماسٌة إلي مثل تلك الأخلاق في هذه اللحظة الحضارية الحرجة!


الكتاب: السياسة والتسامح
المؤلف: عبد الكبير الخطيبي
المترجم: عز الدين الكتابي الإدريسي

تحياتى

نسمة

نسمـ،ــه
27-10-2006, 08:03 PM
عن اشتعال الكتب بالنار و السفر:سيرة قارئ ..سيرة ذات
صدوق نور الدين

الكتاب و النار

هل للكتب علاقة بالنار؟
أعتقد بأن في قراءة التراث العربي القديم , و لربما الحديث علي السواء , كما علي امتداد تاريخ الآداب الغربية ما يؤشر علي حضور هذه العلاقة القوية.فإذا كان الكتاب بمعارفه يشكل سلطة , فإن الأخيرة تناهض سلطة أخري و تنازعها في الوجود..سلطة المعرفي مقابل سلطة السياسي..و حتي تفعل الأخيرة بالحضور , فإنها تلوذ إلي النار لحرق الكتاب / الكتب.لكن الحرق ليس النهاية , و إنما البداية .فكم من كتاب أحرق لولا أنه لم يزد صاحبه إلا عنادا و إصرارا علي قول ذات القول بالصيغة المختلفة المتباينة عن القول السابق. و تم تكمن عبقرية اللغة.
لكن الكتب التي تم حرقها لا تقتصر علي الجانب السياسي وحده , و إنما تمتد لتشمل الديني والأخلاقي .و هذا يحصل في الغرب , مثلما يقع في دار الإسلام ..و بما أني في هذا المقام لن أجلو ضروبا من كتب أحرقت , فإني أريد التوقف عند نوع معين من الحرق يقوم به القارئ ذاته , فيما سلطته التي يملكها هي سلطة النقد و الاستكشاف.
في رواية غ دفاتر دون رودريكو روبيرتوف لماريو بارغاس يوسا , تمثل الشخصية الفاعلة بمعرفتها و أرستقراطيتها لتجسد امتلاك سر العالم , و ذلك بالمعرفة كما بالمال .إنه التكامل الغائب عن البورجوازيات العربية المتعفنة.و مادام المال لا يهمنا كجانب في هذه الشخصية , فإن المعرفة تبرز علي مستوي المكتبة القائمة في البيت , و الذوق المتجسد في الولع بالفن التشكيلي .
و ليس غريبا إن كانت المكتبة تجاور موقد النار.ذلك أن القراءة في الليالي الباردة الثلجية و الماطرة , لا تتحقق إلا باشتعال النار .و لكأن اشتعال التفكير يوازي اشتعال ألسنة النار الملتهبة .لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد وحسب و إنما نجد أن للنار وظيفة أخري :إنها حرق الكتاب..لكن , ليس أيها كتاب .ذلك أن هذه الشخصية , و كلما أقدمت علي قراءة كتاب ما يحوي معرفة ثمينة و جادة , بحثت في المكتبة عما يمكن أن يكون أدني قيمة و أضعف معرفة , و من تم يخلي الأدني و الأضعف للأثمن المكان ..و أما مصير الأول فإلي النار .و هكذا فإن المكتبة لا تضم بين رفوفها سوي الفرائد. هذه التي لا تنتهي قراءتها , مثلما لا تنتهي الكتب في كمها .
إن المكتبة في هذه الحالة ستضم ما نعود إلي قراءته في كل مناسبة , و كل حين.و أستحضر في هذا المقام الكتب / مراجع الإلهام في التجربة الإبداعية البورخيسية , و التي عددها في حوار له مابين التسعة و العشرة , و منها النص / الأم : ألف ليلة و ليلة , و الإلياذة و الأوديسة , و القرآن الكريم و غيرها مما لا أذكره.
و حتي أختم يذكرنا غسرفانتسف في أحد فصول غدون كيشوتف بعملية الحرق التي كانت تتعرض لها كتب الفروسية للتأثير الذي خلفته في / وعلي الشخصية الرئيسة .لكن ما كان يحرق هو كتب بعينها . و أما الجواهر فكان يبقي عليها كما هي , وذلك كيما تستمر و تدوم , ويتم الرجوع إليها بين لحظة و أخري.


الكتاب والسفر

إذا كان الكتاب سفرا من خيال , فإن السفر كتاب من واقع.و لذلك يصعب الحديث عن هذه العلاقة التي تخضع في الجوهر لمسألة الذوق التي بات علماء الأدب إن وجدوا يرفضونها.
ذلك أن ما يعلمنا إياه تاريخ القطارات عبر / في العالم , أن تبديد المسافات لا يتحقق إلا بالركون إلي الكتاب و الانغمار فيه.لذلك تجد المسافرين يحملون معهم زاد المعرفة أكثر من يحملون زاد الأكل.
هذا هنالك , و أما هنا , فإن الغالبية تختار النوم المؤجل في القطار , أو الأكل المستمر في كل المحطات.
و من تم فإن الحديث عن العلاقة بين الكتاب و السفر , يجدر أن يتحدد بناءا علي كم المسافة المراد عبورها .فلكل مسافة كتابها الخاص بها.و من تلك القصيرة و المتوسطة و الطويلة .
الأولي تستدعي في الجوهر متعة القصيدة , ذلك أنها تفسح المساحة للتخييل , و تمثل الصورة الفنية , خاصة إذا كان الأمر يتعلق بشعر شاعر له قدم في الإبداع و في الصوغ , سواء أتعلق الأمر بالتراثي أو الحديث أو العالمي . و قد توازي متعة القصيدة برفعة القصة القصيرة .
و في المتوسطة , فإن الرواية من الحجم القصير أجدر بالأخذ و القراءة , ذلك أن متابعة الأحداث تتواصل بسهولة كما أن التحكم في بنائها و عالمها يسهل علي قارئها , إلي كون الإتيان عليها كاملة يكون في المتناول. و أما الطويلة , فتحتاج إلي الروايات ذات الكم الكبير و بالأخص العالمية .ذلك أن مكون التشويق الذي يتم الغفل عنه , يشتد بامتداد المسافات و طولها.
أذكر بأني في أسفاري كلها , لم أتخل مطلقا عن الكتاب , بل إن لي مكتبتين : واحد كونتها كاملة و أنا ما أزال أدرس بين الإعدادي و الثانوي , و هي قائمة هنالك في المدينة العتيقة حيث الروح. و يغلب عليها النتاج المغربي: قصة , قصيدة , رواية و مسرحية إلي مجلات موقوفة أو توقفت .و ثانية هنا في هذه المدينة الهجينة التي فرض علي العمل فيها دون أن أحبها علي الإطلاق .ذلك أن ما تعلمته هنالك و ما قرأته لن يتاح لي مجددا التعرف عليه ..و من تم فإن العطلة عندي شيء غمقدس ف.. و لذلك تجدني عند أول يوم أسارع مغالبا الزمن بحثا عن أول خيط أبيض , أحمل من الكتب أكثر مما أحمل من اللباس. و السفر سواء أكان قصيرا أم طويلا , يكون متبوعا عندي ببرنامج , و في أحيان أخص كل يوم برواية من حجم صغير أو كتاب كذلك , ليس بالضرورة في مجال النقد الأدبي.
إن التنوع هو بالذات الثقافة الحية . و أذكر منذ نهاية السبعينات و إلي اليوم , أني كنت أتبع القراءة لساعات طويلة , المشي علي رصيف البحر , وفي الأماكن الخالية . تم كانت تفعل القراءة فعلا آخر.تم كانت تعجن و تتحول في صيغ أخري و أشكال أخر بعضها كتب له الظهور , و آخر مات دون أن يستوي و يكتمل.

نسمـ،ــه
28-10-2006, 01:43 AM
الفيلسوف الفرنسي فرانسوا جوليان يحلل :
لغز القوة الصينية
تقديم وترجمة: د.محمد برادة
أصبح العالم متيقٌنا من صعود الصين واستعدادها لأن تغدو القوة الأولي، اقتصاديا وديموجرافيا، معتمدة في ذلك علي نموذج مختلف في التدبير وحكم المجتمع...الصين التي تتهيأ للخروج من قمقمها،تجتذب رجال أعمال كثْر، وتتوفر علي أكبرادخار من العملة الأجنبية،وتحقق نسبة 8 % في مجال التنمية. لكن الأرقام وحدها لا تكفي لتفسير هذه الظاهرة الصينية التي تزحزح ستراتيجيات الولايات المتحدة وأوروبا،وتسائل نماذج التنمية في العالم.
وراء بلاغة الأرقام وفعالية الإنجاز،ووراء ازدواجية دكتاتورية الدولة في الداخل والنزوع الأمبريالي في الخارج،هناك عناصر لها صلة وثيقة بالفلسفة تمتد جذورها إلي ما قبل القرن الرابع للميلاد،مرورا بالكونفوشيوسية وماركسية ماوتسي تونغ... وتبدو تلك الفلسفة القديمة المتجذرة في ثنايا حضارة الصين العريقة وحكمتها المتوارثة،حسب الفيلسوف جوليان، بمثابة الرحم التي منه تنبثق الصين العملاقة داخل حومة العوْلمة الرأسمالية لتشيٌد لنفسها مكانة بارزة استنادا الي ¢التحوٌل الصامت¢ و ¢ السيرورة المستمرة¢ النابعيْن من الداخل...

هذا اللغز الكامن وراء قوة الصين ونهضتها هو ما يقلق الغرب، وهو ما يجعله ينصت إلي تحليلات نشرها الفيلسوف المختص في ثقافة الصين فرانسوا جوليان في كتب عديدة ومحاضرات ألقاها علي مسامع رجال الأعمال. بتعبير آخر،ليس بالاقتصاد وحده تبني الدول والمجتمعات نفسها، بل إن للأبعاد الفلسفية والثقافية دورا أساسيا يستحق الالتفات والاعتبار.فهنا حوار مع الفيلسوف الفرنسي فرانسوا جوليان أجراه معه الصحفي فردريك جوانيو ونشرته اللوموند حول لغز المجتمع الصيني.





لدينا في أوروبا،تجاه انبعاث الصين،انطباع بأنها أصبحت قوة محيطية.لقد حان الوقت لكي نفهم الفعالية الصينية التي لا تدين لنا بشيئ، كما ألححت علي ذلك في كتبك!





الواقع أن الصين تشكٌل بالنسبة لنا نحن الأوروبيين، ¢الآخر الكبير¢.فالعالم العربي أو العبري يظلان مرتبطيْن بنا عبر التاريخ وعبر نصوص عظيمة تكوٌن تراثا مشتركا.ونحن أيضا مرتبطون بالهند من خلال اللغة السنسكرية لأن هناك تفرٌعات كثيرة بين اليونانية والسنسكريتية. وللخروج فعلا من أوروبا لايبقي هناك سوي الصين ،إذ أن الثقافة اليابانية ما هي* بطريقة مٌا* إلا أحد مغايرات الثقافة الصينية.منذ عصر النهضة،تعجٌب مثقفون أوروبيون كبار من هذه الغيرية التي تتصف بها الحضارة الصينية.وكان مونطينيْ أحد الأوائل الذين فكروا في ذلك:ففي ¢المحاولات ¢ يمكننا أن نقرأ الملاحظة التالية :¢ في الصين ،وهي المملكة التي تجهل الشرطة والفنون فيها ما نحن عليه،نجدها تتفوٌق علي نماذجنا في أمثلة كثيرة للتميٌز والتي ينبئني تاريخها إلي أي حد هو العالم رحب ومتنوٌع إلي درجة أنْ لا القدماء ولا نحن، نستطيع ولوجه¢.إن الصين تكوٌن ،فعلا، عالما آخر انبني مستقلا عن مقولاتنا الفكرية وعن مراجِعنا.إنه إذا عالم يضع موضع تساؤل ما نعتبره نحن كونيا علي الفور.خلال السنوات الأخيرة،نجد عددا من الخبراء الغربيين المنغلقين داخل خطاطات تحليلِ يقول بضرورة القطع السريع مع الشيوعية واللحاق فورا باليمقراطية، مندون أن يفهموا ما الذي يحدث في الصين.وقد بدأ هذا مع تحليل أحداث ساحة تياننمينفي ربيع 1989 .صحيح أن الطلبة كانوا يريدون الديمقراطية معضٌددين بأقلية داخل الحزب الشيوعي:لكن أغلبية الناس في تلك الفترة كانوا يشتغلون بقوٌة ويسعوْن قبل كل شيء إلي الاغتناء.والكثيرون كانوا يعتقدون أن الاغتناء يستوجب الحفاظ علي الأمن:ولتحقيق ذلك كان الحزب ما يزال صالحا.خلال العقد 1980*1990، نجح دينغ سياوبينغ في تحويل النظام الشيوعي بإفراغه شيئا فشيئا من إيديولوجيته الاشتراكية.وتم ذلك داخل بلاد شاسعة تواجه مخا طر هائلة. والصيغة التي استعملها دينغ هي :¢ أن نعبر النهر ونحن نتلمٌس الأحجار ¢. وهو يقصد إصلاحا يتقدم خطوة خطوةمن دون قطيعة مدوٌيٌة:أي ما أعبر عنه ب ¢تحويل صامت¢، خلافا لما وقع في شرق أوروبا.





¢تحويل صامت¢ بعد ثورة ثقافية دامية ؟
صحيح .فخلال الثورة وبعدها،وعند موت ماوتسي تونغ سنة 1976،اقتربت الصين من الهاوية يتجاذبها أقصي اليسار الثوري وأنصار التخلي الفجائي عن الماوتسية.إلا أن الحكومة الصينية استطاعت خلال بضعة عقود أن تضبط تلك الوضعية المتفجٌرة.لقد وارتْ الماوتسية من دون أن تمنع صور ماوتسي،ثم أدخات البلاد إلي اقتصاد السوق برفع الحصار عن المبادرة الرأسمالية الجديدة من دون أن تتخلي ،بالمناسبة ،عن شعار الاشتراكية وقوة الدولة.وهذا ما مكٌنها من بلوغ قوة كبيرة هي في بدايتها...
إنني لا أمتدح هذا النظام،ولكنني ألاحظ أن ¢التحويل الصامت ¢الكبيريتجلي علي جبهات عديدة.انظر إلي توافد الطلبة الصينيين الضخم علي أفضل الجامعات الغربية،فهو يكشف بأنهم لن يكتفوا بالدور الثانوي مثل التوزيع المتنامي للمنتوجات الصينية في السوق العالمية. وانظر إلي مفاوضات أوروبا المقلقة حول النسيج وهجوم رجال الصناعة الغربيون علي السوق الصينية،أو أيضاتعاظم التأثير الصيني في مجموع آسيا...
مع صعود الصين بالقوة، يبدو لي أننا قد وصلنا إلي عهد جديد هو عصر ¢ما بعد العولمة¢.فهناك استقطاب مزدوج:صين* غرب ترتسم ملامحه:وهو ليس إيديولوجيا كما كان الشأن في الحرب الباردة،بل اقتصادي مع،ربما، خلفية فلسفية...
في 2003 كانت دراسات غربية تتنبٌأبنهاية ¢المعجزة الصينية¢ وكانت تسمٌينظامها البنْكي ب ¢نمر من ورق¢،معلنة انهياره ومستحضرة ¢الفقاعة المضاربية¢للعقار في شانغهاي.اليوم ،وضعية العمال الصينيين تقود إلي إضرابات كثيفة...
هنا أيضا علينا أن نتجنب النظر إلي الصين وفق تحيٌزاتنا الغربية.إننا لا نري سوي الهجرة الريفية ووضعية العمال ومخاطر المضاربة الخ... مع ذلك فإن دراسات في سنة 2004 كشفت أن أوراش البناء في شنغهاي كانت تجتذب عشرات آلاف العمال من الريف الذين كانوا موضع استغلال كبير ومع ذلك كانوا يرسلون إلي عائلاتهم نقودا تفوق ما كانت تكسبه من فلاحة الأرض.وهذا المورد للمداخيل قد نشٌط السوق الداخلية.(...) ها نحن أوروبيون وأمريكيون في مواجهة الفعالية الصينية التي نسيء فهمها لأنها تفلت من معظم نماذجنا الاقتصادية.وهي مع ذلك فعالية لها صيت خرافي في آسيا برمٌتها!إن التفكير في هذه الفعالية الاقتصادية والستراتيجية المبنية علي فلسفة التحويل وحيث كل وضعية يتم التفكير فيها بوصفها انتقالية،في تحوٌل، يعيد النظر ليس فقط في هيمنتنا الاقتصادية وإنما أيضا في ما نعتبره كونيا.يعتقد الغربيون أنهم يطوٌرون الفكر الاقتصادي الفعٌال الوحيد،وفنٌ العيش الأفضل،والنظام السياسي المحتمل الوحيد.لكن،ها نحن نواجه بلادا شاسعة في قمة انطلاقها الاقتصادي ومتوفٌرة عليفكر استراتيجي موغل في القدم.إن الصين حضارة قديمة وهي بصدد خلخلة التوازن العالي لعلائق القوٌي...





أنت تدرس فلسفة الصين منذ ما ينيف عن عشرين سنة:هل تستطيع أن تفصٌل القول في ما تسميه الفعالية الصينية؟
إن الصين هي الحضارة الكبيرة الوحيدة التي لم تنتج ملحمة. وهذه الخصوصية ليست خرافية:فبالنسبة للصينيين لا تعني الملحمة شيئا كثيرا لأنها تمجٌد عمل فاعل منفرد هو بطل يغيٌر العالم.إلا أن خبيرا استراتيجيا صينيا سيقول لك بأنه لكي تكون فعٌالا لا يجب أن تتقدٌم الصفوف.من الأفضل أن تتدخٌل بأقصي ما يكون من التكتٌم وتعمل من الأعلي للتحريض علي تطوٌر يقود تدريجا وحتي من دون أن يثير الانتباه،إلي النتيجة المتوقٌعة.إن الفكر الستراتيجي الصيني يسعي إلي الاستفادة ،سرا، من كل وضعية لينال ربحا من دون أن يحدٌد هدفا أمثل.يتعلق الأمر باستغلال الممكن القائم في الوضعية والانقياد له وتطويره من غير استعجال ولا تسرٌع إلي أن يقطف النتائج علي المدي البعيد،بدلا من أن يفرض هدفا إراديا،عاجلا: ¢أن نعبر النهر ونحن نتلمٌس الأحجار ¢ كما قال دينغ سياوبينغ... مثل هذا الفكر الستراتيجي كان جدٌ متقاسم في الصين القديمة.ونجد مفكرا أخلاقيا مثل مينسيوس في القرن الرابع قبل الميلاد،يروي حكاية فلاح يطلق النار علي براعم ونباتات حقله ليسرٌع نموٌها وهو فرح بفكرته العجيبة. وعندما جري أبناؤه ليروا النتيجة،وجدوا بطبيعة الحال الحقل يابسا.ويستخلص مينسيوس من هذه الحكاية أن هناك سلوكيْن يجب تجنبهما:أولا البحث المباشر عن النتيجة من خلال استعجالها ومن دون اعتبار السيرورة الجارية :فهذه هي حدود الإرادوية. والخطأ الثاني هو البقاء عند حافة الحقل...ذلك أن كل فلاح يعرف أنه إذا كان مرفوضا إطلاق النار علي النباتات، فإنه من المطلوب أيضا تسهيل نموٌها. و¢السلوك الحسن¢ يتمثٌل إذا في مصاحبة السيرورة ومساعدتها ،أي أن ندعها تسير مع التدخٌل بتبصٌر لكي تبلغ نهايتها وتؤتي ثمراتها:أو كما قال لاوو تسي ¢أن نساعد ما يأتي وحده تماما¢.


يتبع

نسمـ،ــه
28-10-2006, 01:46 AM
هل هذا الفكر الستراتيجي ينطبق كذلك علي السياسة الداخلية؟ وعلي الاقتصاد؟
يطالعنا فكر مقارب عند الستراتيجي الكبير سونزي في القرنالخامس قبل الميلاد،وهو مؤلٌف الكتاب الشهير ¢فنٌ الحرب ¢ الذي يثير الاهتمام دائما وليس في الصين وحدها.لا يستعمل هذا المفكر مصطلحات الوسائل والغاية وفق تخطيط موضوع مسبقا،وإنما يستخدم بالأحري مصطلحي الشروط والعواقب.وهنا أيضا لا يهف إلي النتيجة المباشرة بل يزحزح تدريجا إمكانات الوضع لصالحه.وإذا ما وصل العدوٌ مستريحا،فإن الستراتيجي يبدأ بإتعابه،وإذا جاء شبعانا يعمل علي تجويعه...وبذلك لا يواجه خصمه إلا بعد أن يحرمه من إمكاناته.ومن ثم يمكنه أن ينتصر عليه من دون تكاليف بل ومن دون مقاومة: ويكون عليه أن يقطف الفاكهة بعد أن نضجت (...)





هل يمكن أن تسرد عليناأمثلة تاريخية لتطبيق هذه الستراتيجية؟
لقد رأينا مفعولها في حرب الفيتنام،البلاد التي عاشت طويلا تحت تأثير الصين. وإلا كيف يمكننا أن نفسٌرانتصار الفيتناميين علي قوتين استعماريتين عظمييْن لهما أسلحة ضخمة،أقصد فرنسا والولايات المتحدة؟ لقد تجنب الفيتناميون المواجهة المباشرة محاولين أن يحرموا عدوٌهم تدريجا من قواته: فاستدرجوه إلي سلسلة من المعارك المغشوشة متسٌببين في فقدانه روحه المعنوية، وتاركين إياه ينضج إلي أن حان الوقت الملائم...علي نفس النٌحو في الصين،نجد المسيرة الطويلة (1934 *1936) تعادل انكفاء ستراتيجيا لضمان الاستمرار علي قيد الحياة.فعندما لا حظ ماوتسي تونغ أنه لم يعد يتوفٌر علي أي ¢إمكانية احتمالية داخل الوضعية¢ التي كان يوجد فيها، وجٌه فرقه العسكرية صوب انعطافة كبيرة تسمح له بالانتظار إلي أن تغدو الوضعية،تدريجا،في صالحه.وذلك إلي درجة أنه استطاع إرغام خصمه آنذاك تشان كي*تشيك سنة 1936 ،علي أن يتحالف معه في جبهة مشتركة ضد العدو الياباني.وهذا القرار معاكس للفكرة الغربية الإرادوية،التي تري أن الانتصارينتزع انتزاعا وأن كل شيء يتم في اللحظة. حسب المنظور الصيني،كل شيء يتقرٌر مصيره خلال جريان الحدث:إنها زمنية أخري:الدٌيمومة الطويلة واستنضاج اللحظة الملائمة.





أنت تلقي محاضرات أمام شخصيات سياسية ورجال أعمال أوروبيٌين،فعن أي شيء يبحثون في محاضراتك؟
ما دامت الصين تحظي أكثر فأكثربحضور علي الصعيد العالمي،فإن المستثمرين وأصحاب المشاريع يريدون أن يفهموا المجال الذين يهمٌهم.إنهم كثيرا ما يضطرون إلي الذهاب إلي الصين والتفاوض مع صينيينمعروفين بدهائهم. والسبب الآخر هو أنهم يريدون أن يفتحوا ذكاءهم علي أنواع أخري من ¢تلاحم الفكر¢ وأن يعيدوا النظر في بعض النٌمذجات التي اعتمدوها في تكوينهم. كثيرا ما راج الحديث عن ¢فطنة¢ الصينيين وحسٌهم التٌجاري،بل وعن مكرهم،وكلها عبارات تدلٌ علي أن فعاليتهم المخيفة لم تدرك علي حقيقتها.بينما مصلحة الفكر الصيني تتمثٌل في أن تكون واضحة ومشيٌدة.إنه ليس فكرا لاعقلانيا ولا غامضا أو حْدسيا ...فقط هو لا يسمح بأن يتمٌ فهمه من خلال فكر النمذجة الغربية.إن الصين لم تكن مهووسة بالمثل الأعلي للحقيقة الرياضية،ولم تفكٌر في تطبيقها علي ظاهرات الطبيعة،ومن ثمٌ فهي لم تتصوٌر الفيزياء الكلاسيكية السببيٌة والميكانيكية التي أتاحت للغربيين أن يقرأوا ¢الكتاب الكبير¢ للطبيعة وأن يصبحوا هم ¢ سادته ومالكوه¢ كما أراد ديكارت. بالنسبة للصينيين،وتجاه جميع المدارس الفلسفية المتاخلة ،يظلٌ العالم مستعصيا علي البرادغمات والنماذج. ذلك أن الواقع عندهم ، هو في تحوٌل مستمر. ولا يوجد في اللغة الصينية مقولات الكينونة والهويٌة الجوهرية والوجود ¢في ذاته¢ .كل شيء هو قيْد الجريان علي شاكلة السماء التي لا تكفٌ عن التجدٌد لأنها منضبطة.وإذا لا يتعلق الأمر بفكر للتقدٌم بل هو فكر السيرورة المستمرٌة،و¢طريق¢*طاوو،والمثوليٌة،وفكر كل ما يأتي من الداخل.
أتصوٌر أن رجال الأعمال يريدون أمثلة علي هذا الرفض لنماذجنا...
خذ مثلا النظام البنكي الصيني:فحسب المقاييس الغربية،هو نظام في طريقه الي الإفلاس منذ عشر سنوات،لأن الصين تموٌل أكثر من اللازم مشاريع للدولة غير مربحة،وتمنع حرية حركة رؤوس الأموال.وهذه جريمة ضد نموذجنا عن الاقتصاد الجيٌد! فضلا عن ذلك ،فإن الأبناك التي توجد في أزمة ينقذها الادٌخار الصيني الضخم المتمثٌل في مبالغ كان من الأفضل استعمالها في خلق مشاريع صلبة ومربحة.لماذا يطيل الصينيون عمر هذا النظام البنكي؟ أولا لقد اجتازوا،بدون خسائر كبيرة أزمة ما يسمٌي ¢النمور الأسيويون¢في 1977:واستطاعهذا النظام أن يقاوم.ثانيا،فإن إغلاق مشاريع الدولة بفظاظة وسرعة سيلقي بملايين العمال إلي البطالة فتكون التكلفة الاجتماعية جدٌ مرتفعة. إن السماح بحرية حركة رؤوس الأموال سيؤدي إلي نقل الادٌخار الصيني الضخم ،إلي الخارج وهو ما يستتبع إفلاس الأبناك وقد يؤدي إلي انهيار الاقتصاد الشامل. وإذا فإن الصين تحافظ علي نوع من ¢الوضع الأمثل¢ وذلك برفضها إلصاق نموذج علي اقتصادها،وتطبيق عقيدة حرية الرساميل تطبيقا آليا. هل يتعلق الأمر فقط بالتجريبية أو البراجماتية كما يقال عادة؟ ستلاحظ أن مثل هذه المقولات لا يكون لها معني إلا في ظل نموذج، ومن ثمٌ تظلٌ مقولاتنا نحن...ما يبدو لي خاصا بالصين هو أنها تنطلق من الوضعية التي تقدٌر ¢عواملهاالحاملة¢ لتستفيد منها عبر التكيٌف تدريجا مع تطويرها.





كيف تفسٌر استبدادية الحكومة الصينية وقمعها للحريات الديمقراطية؟ وكذلك عنفها تجاه أي شكل للمعارضة؟ وماذا عن الكوارث الإيكولوجية الضخمة؟
هنا نلتقي بالوجه الآخر لما عرضته عليك الآن. إن أوروبا ،المتعلقةبمقولة التقدٌم وبناء مثل أعلي ديمقراطي، قد أنتجت فكرة عن السعادة حملتْها وأتاحت لها أن تفكرفي الأوتوبيا السياسية وتحسين أوضاعها...أي أن أوروبا قد فكٌرت في التاريخ...أما الصين ،في المقابل، ببقائها متمسٌكة بفكرة ضبط السيرورات فإنها لم تعرف سوي ¢الاتٌساق¢(الهارمونيا).لكن الضبط والاتٌساق علي الصعيد الإنساني ،لا يعنيان في نهاية الأمر سوي الخضوع لميزان القوٌي.هكذا فكرت الصين في السلطة (أو الأخلاق) إلا أنها لم تفكٌر في القانون. إنها فكرت في ¢آلة الطٌاعة¢ ولم تفكر في تعالي القانون والعدالة.لقد رأينا ذلك في سنة 2003 عند تفشٌي الزكام القاتل(سراس)،وأخيرا مع تلوٌث البنزين في نهر سونغييا بالشمال الشرقي للصين. كان رد ٌفعل السلطة الأول هو الصمت،وعملت علي محاصرة ومراقبة جميع الأخبار: وظهرت بنية البيروقراطية الاستبدادية علي السطح وبدأت تزاول مهامها.اليوم،فتحت السٌلطات الصينية حوارا جديدا علي المستوي العالمي وبدأت تولي اعتبارا للانتقادات.وفي السنة الماضية،امتدح رئيس منظمة الصحة العالمية ¢حهود الصين الكبيرة لتطويق سراس¢،وتحدث عن وجود أنباء مستوفية عن الأوضاع:لكن في موازاة ذلك علمنا أن الفريق القيادي الجديد منذ 2003، قد استغلٌ هذه الكارثة لإبعاد عدة مسؤولين كبار عن السلطة.وأسجل نفس ردٌ الفعلفي ما يتعلق بنهرسونغييا.فالمأساة البيئية تولد دوْما من الصمت.فقد بدأت الحكومة أولا بإخفاء المشكلة،ثم اعترفت بالتلوٌث وأرسلت الجيش ليزوٌد السكان بمياه الشٌرب،وأخبرت الرأي العام العالمي وفتحت ملفٌا للتحقيق...





تتوفٌر الصين علي تقاليد ملّكيٌة ودولتية استبدادية موغلة في القدّم...
نعم،الصينيون لم يفكروا أبدا في نظام آخر غير النظام المّلكي.والمسألة السياسية الوحيدة كانت، تقليديا،تتعلٌق بجوْدة أو سوء الأمير. علي هذا النحو فإن المتعلٌم الصيني لم يصبح قط مثقفا انتقاديا: إنما عاش دائما في ظلٌ الأمير.وطموحه هو أن يفكٌر من دون أن يتٌخذ موقفا حتي لا ينجرٌ إلي التحيٌز: وهو ما أسميته ¢شغوره أوْ جاهزيٌته¢،فهو لم يعرف قط كيف يبني مقاومة حقيقية.إن المثقفين الصينيين لم يتوفٌروا علي تصوٌر للثورة،ولم يستطيعوا أن يشيٌدوا نظاما آخر غير نظام ¢الضبط السياسي الجيٌد¢ التراتبي والبيروقراطي. والحزب الشيوعي الصيني مدين باستمراره كبنية للسلطة لهذا التقليد بينما الصين دخلت إلي مرحلة الراسمالية القصوي التي لا تتوخٌي سوي الاغتناء. لهذا السبب،خلال العقود الأخيرة، وجد بعض المثقفين المنتقدين أو طلاب ساحة تيانمين أنفسهم معزولين في نهاية الأمر، وضائعين أمام عنف السلطة.

عن جريدة لوموند

تحياتى

نسمة

نسمـ،ــه
08-07-2007, 10:38 PM
البحث عن حضارات عاقلة فى هذا الكون


نحن نعيش في كون واسع مترامي الاطراف، رصد العلماء فيه اكثر من مئة مليار مجرة، يصل عدد النجوم وسطيا في كل منها إلى نحو مئة مليار نجم. والشمس نجم متوسط الحجم في مجرتنا درب التبان، أو درب اللبان كما يسمونها، وهي تقع بالقرب من طرف هذه المجرة عدسية الشكل، حيث لا يوجد ازدحام نجمي. ‏

والأرض هي كوكب ضئيل الحجم نسبيا، لدى مقارنته مع الكواكب الأخرى، تدور حول الشمس في (365) يوما وربع اليوم، ويعيش عليها اكثر من ستة الاف مليون انسان، في بقع من اليابسة لا تتجاوز مساحتها عشر مساحة اليابسة. ‏
ـ وحجم الإنسان امام حجم الارض ضئيل جدا، ولايمكن مقارنته بحجم الشمس، أو حجم المجرة أو حجم الكون، ورغم ذلك فهو يؤثر ويتفاعل ويتخيل.. ويناقش، ويبحث حتى في الاسئلة الكبيرة التي يدور بعضها عن ماهية الكون واتساعه.. ‏ ويغنيه خياله المجنح بتركيب صور لبدايات الكون وبدايات المجموعة الشمسية وبدايات الأرض الملتهبة وهي تدور حول الشمس.. ‏

ويسرح بخياله مع بدء الحياة قبل (3500) مليون عام.. ويركب صور الحياة المنتظمة قبل (600) مليون عام.. ويتخيل التطور الذي طرأ على عناصر الحياة... ‏

وتستمر رحلة خياله مع الظهور الأول لبني جنسه قبل نحو مليوني سنة، ثم مع الحضارات القديمة المتعاقبة بآثارها وارهاصاتها حتى الحضارة الحديثة.. ‏

ويتخيل عوالم الغد المستقبلية، ومصير البشرية بعد ملايين السنين.. الإنسان عقل منظم، يغني بخياله البحث والابتكار ويتطور ويتقدم ويصبح بعقله احيانا عملاقا مفكرا مبدعا.. ‏ وأحيانا ينزع إلى الشر فيصبح بقوته الشريرة طاغية مستبداً يسحق اخاه بلا رحمة.. ‏

العلاقات الانسانية ينظمها العقل لتنحو في الاتجاه الايجابي واذا نحت عكس ذلك عم الدمار الأرض... ‏

تتحدث النظريات الفلكية الحديثة عن وجود كون آخر مضاد لكوننا وهذا الكون المضاد يحوي مادة مضادة تختلف عن المادة العادية من انها تتكون من ذرات تحتوي على نواة سالبة تدور حولها الكترونات موجبة... ‏
بينما في المادة التي نعرفها هناك ذرات تحتوي على نواة موجبة تدور حولها الكترونات سالبة، وقد افترض العلماء انه عند ولادة الكون قبل نحو (15) مليار سنة حدث الانفجار الأعظم.. ‏

انفجار أعظم لكتلة هائلة الكثافة، نشر كميات متساوية من المادة ومن ضد المادة في كل اتجاه.. وبين المادة المعروفة انتشرت ضد المادة ثم بدأت تختفي بالتدريج، ويعتقد العلماء ان سبب اختفاء المادة يعود إلى التحامها بمادة التحاما كليا جعل كل منهما، المادة وضد المادة، تختفيان وتنطلق طاقة هائلة... ‏ فحين التحام ذرة مادة مع ذرة ضد المادة، تغني الذرتان بعضهما وتنطلق طاقة من هذا الفناء التام...وربما اتصلت مع الزمن المادة مع بعضها وضد المادة مع بعضها لتشكل كل منهما كونا مستقلا، وكوناً من المادة وكوناً من المادة المضادة.. ‏ وهذه النظرية تداعب خيالات العلماء والكتاب والمفكرين بأن يكون لكل منا نظيره في الكون الآخر.. وكل منا يملك ضده.. ‏


وفي الحياة تتلاعب الأفكار المتضادة، المتضاربة في داخل الإنسان لينتصر بعضها على الآخر، تماما كما في حالة صراع البشر مع بعضهم.. ‏
تتواصل الأبحاث والدراسات الفلكية حول وجود حضارات عاقلة ذكية في الكون المحيط بنا.. ‏

ويجنح الإنسان بخياله بعيدا وهو في مركز مراقبة راداري متطور يراقب الفضاء محاولا البحث عن أصوات وأصداء تنبئه عن وجود رفيق له في هذا الكون الواسع... ‏ رفيق يطمئنه إلى أفكاره وخيالاته ويتراسلان عبر وسيلة تعتمد على ذبذبات الأمواج المنتشرة في الفضاء.. ‏

ما الذي يمنع من وصول أصداء حضارات اخرى في الكون إلى أجهزة الرادار والاستقبال المتطورة التي تتوجه صوب الكون فسيح الأرجاء؟ (حديث لـ د. مخلص الريس).. ‏

لو وصلت تلك الأصداء، وحللت بأجهزة متطورة وقرئت الرسائل الفضائية الواردة إلينا، لشكل ذلك نصرا كبيرا للإنسانية في سعيها نحو اكتشاف حضارات ذكية في الكون المحيط بنا. ‏


اقرب نجم إلينا يبعد نحو أربع سنوات ضوئية وربع السنة أي تستغرق الرسالة حتى تصل إلينا فيما لو أرسلت من هناك نحو هذه المدة، أي أربع سنوات وربع، لأن سرعة الأمواج الراديوية هي نفس سرعة الضوء البالغة (300) ألف كيلو متر في ثانية، وفي سنة عشرة مليون مليون كيلو متر... ‏

طبعا لو كان أي من كواكب المجموعة الشمسية مسكونا بكائنات عاقلة، وهو ما نجهله حتى الآن، لن تستغرق الرسائل الواردة إلينا منه على اقصى حد بضع ساعات حتى ولو كانت ترد من توابع زحل أو نبتون... ‏

ولو وردتنا من مجموعة (فيغا) رسائل عبر الأمواج الراديوية لاحتاج و صولها (26) سنة ضوئية، وهو ما تبعده (فيغا) عنا.. وهذه المسافات تبدو لنا هائلة ولكننا حتى الآن لا نملك وسائل اتصال متطورة تزيد سرعة بثها، استقبالها عن سرعة الضوء. ‏


اقرب نجم إلينا يبعد نحو أربع سنوات ضوئية وربع السنة أي تستغرق الرسالة حتى تصل إلينا فيما لو أرسلت من هناك نحو هذه المدة، أي أربع سنوات وربع، لأن سرعة الأمواج الراديوية هي نفس سرعة الضوء البالغة (300) ألف كيلو متر في ثانية، وفي سنة عشرة مليون مليون كيلو متر... ‏

طبعا لو كان أي من كواكب المجموعة الشمسية مسكونا بكائنات عاقلة، وهو ما نجهله حتى الآن، لن تستغرق الرسائل الواردة إلينا منه على اقصى حد بضع ساعات حتى ولو كانت ترد من توابع زحل أو نبتون... ‏

ولو وردتنا من مجموعة (فيغا) رسائل عبر الأمواج الراديوية لاحتاج و صولها (26) سنة ضوئية، وهو ما تبعده (فيغا) عنا.. وهذه المسافات تبدو لنا هائلة ولكننا حتى الآن لا نملك وسائل اتصال متطورة تزيد سرعة بثها، استقبالها عن سرعة الضوء. ‏



عن صحيفة تشرين

تحياتى

نسمة

نسمـ،ــه
15-07-2007, 12:17 PM
مكتوب
الفضيلة الخامسة:
العدل
باولو كويليو
في القاموس الغربي لفظ العدالة مشتق من جذر هو -جوستيتياس- أي الالتزام بالقانون، والإنصاف بإعطاء كل ذي حق حقه، والمساواة، وتعاون النخبة والناس علي إحقاق القسط.
ومن كلمات السيد المسيح في إنجيل متي عن العدل والعفو : -أما سمعتموهم يقولون العين والعين والسن بالسن ؟ لكنني أقول لكم لا تقابلوا الإساءة بمثلها ولكن من ضربك علي خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر.
وفي موضع آخر من الإنجيل: ودخل المسيح بيت الرب وبدأ يخرج منه كل من يبيع ويشتري وخلع طاولات الذين يبدلون النقود ومقاعد التجار-، إنصافا للمكان.
وفي تراث ال-زن- أن تلميذا كان يسرق أثناء أحد الدروس وتم ضبطه، وطالب كل التلاميذ بطرده لكن المعلم لم يفعل له شيئا.وفي الأسبوع التالي سرق التلميذ مرة أخري فعاود التلاميذ المطالبة بمعاقبته.
قال المعلم:- ما أحكمكم، أنتم تعرفون الخطأ والصواب لذا يمكنكم أن تدرسوا مع أي معلم في أي مكان، لكن هذا الزميل المسكين لا يعرف الخطأ والصواب وليس له من يعلمه سواي ولن أتوقف عن القيام بهذا الدور.-
وحين سمع السارق هذه الكلمات تفجر الدمع من عينه وكف عن اشتهاء السرقة.
وقد كتب رجل تم الحكم عليه بالإعدام الكلمات التالية:
- إن انتظار الموت في طابور الإعدام يمكن أن يوحي بأن الإنسان مصنوع من الأسمنت والحديد، لكن الإنسان ليس كذلك، فما زال الإنسان حتي وهو يواجه الموت يملك مرونة اللحم وليس صلابة الحديد، وما زال قلبه حتي اللحظة الأخيرة يملك القدرة علي أن ينبض-.(جاستين فولر _تكساس)
وأثناء الحروب الدينية في القرن الخامس عشر كان القساوسة يجمعون أهالي كل قرية في ميدان ، وبعد أن يعظوهم يختاروا سبعة من السكان ليتم استجوابهم عن حياة جيرانهم،وفي كل مرة كان هؤلاء يتهمون الآخرين خشية أن يتم اتهامهم هم أنفسهم بالهرطقة.
إننا نري الشر في الآخرين لأننا نعرف الشر جيدا (من خلال سلوكنا نحن)، ونحن لا نسامح أبدا من أساء لنا ربما لأننا نعرف أن الآخرين لن يسامحونا علي ما فعلنا من شرور،وفي الغالب نقول للآخرين الحقيقة المرة التي لا نريد أن نقولها لأنفسنا،ونلجأ للكبرياء حتي نخفي ضعفنا، لذا فعندما تصدر حكما علي الآخر تذكر أنك في موقف محاكمة..لنفسك.(حكمة فنجان الشاي، للحكيم كاكوزو الياباني 1904)
وفي تراث الحكمة الفارسي أن كسري في شبابه كان له معلم نجح في أن يجعله تلميذا نابها في كل الموضوعات التي درسها.وذات مساء _وبدون سبب واضح* عاقبه المعلم عقابا قاسيا.
بعدها بأعوام تولي كسري العرش، وكان أول ما فعله هو أن أرسل في طلب معلمه أيام صباه ليسأله عن الفلسفة العقابية التي اتبعها معه في صباه.
-لماذا عاقبتني بقسوة وأنا لم أكن أستحق العقاب؟-
رد المعلم:- حين رأيت ذكاءك أدركت أنك سترث العرش، لذا أردت أن أريك كيف يمكن أن يترك الظلم علامة في نفس الرجل عمرا بأكمله، وأتمني بذلك أن تكون قد تعلمت ألا تظلم أحدا دون سبب أبدا-.

نسمـ،ــه
15-07-2007, 12:22 PM
]
حافظ ابراهيم
إنسان .. والسلام !


وجاءت نوبة صديقي حافظ في 'المرآة' ولم تغن عني المطاولة ولا كثرة الدفاع، كذلك حتم أصحاب 'السياسية الاسبوعية' وبذلك نجزم القضاء!
فانك كالليل الذي هو مدركي
وان خلت أن المنأني عنك واسع
إذن سأخلو حافظا في هذه 'المرآة' وأرمي فيه بالقول، وإذن سأدخل في الورطة وتحق علي الكلمة في كل حال! ويح نفسي من عنت أهل العنت من القراء، فانني ان قلت فيه خيرا قالوا: شهادة صديق لصديق فهي متهمة مهدرة، وان قلت شرا قالوا: ما أنكره للود وما أكفره!
ومالي لا أعوذ من ألسن هؤلاء بالحق، فالحق أجدي من مصانعة هؤلاء. وعلي هذا فإني سأطلق كلمة الحق في صديقي حافظ، وأعوذ بالله تعالي أن يلحقني فيه قول ذلك الحكيم 'إن قول الحق لم يدع لي صديقا'. ولا تنس بعد هذا يا سيدي القاريء مبلغ ما يضحي به الكاتب المسكين في سبيل رسالة يؤديها قلمه اليك لتلهو بها خمس دقائق أو ستا وهو لا يطمع منك في أكثر من أن تقصد في حكمك، وتترفق في وشتمك: والتضحية في هذه المرة ليست بجسم متعب، ولا بمال يغصب، ولا بقلم يغلب، ولا بسب يجلب، انما هي باستهداف ود دام احدي وعشرين سنة للجلجلة بله الزوال، وهي كانت متن الصبا، وهي كانت نضرة العمر، وهي هي الذكري الباقية لحلو الحياة لمن أبرمه مر الحياة!
ما لي قد غشيني من هذه العواطف المحزونة الوالهة حين عرض لي اسم حافظ ما لم يغشني قبل لاسم انسان؟ وفيم كل هذا ولعلي لا أصيب في صديقي إلا خيرا! حقا إني لأخشي أن أكون اليوم مريضا وأن الأمر كله من لوثة الأعصاب. فإن كنت معافي صادق الوزن فإنني أرجو أن يكون صديقي حين تقع له هذه المقالة معافي متزن الأعصاب.


*****
حافظ ابراهيم شاعر: فهو يحب الجمال ويحتفل له ، ويكره القبح وينعي علي أهله، يجابه بذاك مجابهة لا يتقي في القول ولا يتحرف: وما أن طلع عليه فتي دميم الخلق غير مستوي معارف الوجه إلا قال له: يا فتي ليس الوزر عليك بل علي أبيك لأنه لم يدفع مهرا! واذا صدقت نظرية حافظ فلاشك في أن المرحوم والده تزوج عي الطريقة الافرنجية فلم يدفع مهرا بل هو لذلك 'الدوطة'!
جهم الصوت، جهم الخلق، جهم الجسم، كانما قد من صخرة في فلاة موحشة، ثم فكر في آخر ساعة في أن يكون انسانا فكان 'والسلام'! أما ما يدعي فمه فكأنما شق بعد الخلق شقا، وأما عيناه فكأنما دقتا بمسمار دقا، وأما لون بشرته، والعياذ بالله، فكأنما عهد به الي 'نقاش' مبتديء اختلطت عليه الأصباغ والألوان فداف أصفرها في أخضرها في أبيضها في 'بنفسجها'، فخرج مزجا من هذا كله لا يرتبط من واحد بسبب، ولا يتصل بنسب، وانك لو نضوت عنه ثيابه وألبسته دراعة من دونها سراويل وأفرغت عليه من فوقها جبة ضافية وتوجته بعمامة عظيمة متخالفة الطيات لخلته من فورك دهقانا من دهاقين الفرس الأقدمين! فإذا جردته كله وأطلقته في البر لحسبته فيلا، أو أرسلته في البحر لظننته درفيلا!.. ولكن!.. ولكن كشف بعد هذا عن نفسه التي يحتويها كل ذلك، فلا والله ما النور بعد الظلام، ولا العافية بعد السقام: ولا الغني بعد البؤس، ولا ادراك المني بعد طول اليأس، بأشهي اليك: ولا أدخل با لسرور عليك من هذا حافظ ابراهيم!
خفيف الظل، عذب الروح، حلو الحديث، حاضر البديهة، رائع النكتة، بديع المحاضرة، اذا كتب لك يوما أن تشهد مجلسه أخذك عن نفسك حتي ليخيل اليك أنك في بستان تعطفت جداوله، وهتفت علي أغصانه بلابله، وأشرق نرجسه وتألق ورده، فأذكراك طلعة الحب، تانك عيناه وهذا خده! وتنفس فيه النسيم بسحر هاروت، فأعجب لمن ينشره هذا النسيم كيف يموت! والبدو في ملكه بين المجرة والجوزاء، يخلع علي الروض حلة فضية بيضاء، فلا تدري أأمست السماء في الروض، أم أمسي الروض في السماء؟
ولم أر قط رجلا أسرع منه حفظا ولا اثبت حافظة: ولقد تقع له المقالة الطويلة أو القصيدة الضافية فتري نظره يثب فيها وثبا حتي يأتي علي غايتها، واذا هو قد استظهر أكثر جملها، أو أبياتها ان كانت قصيدا، واذا هي ثابتة علي قلبه علي تطاول السنين، كذلك لم أر قط رجلا اجتمع له من متخير القول ومصطفي الكلام مرسلا ومقفي مثل ما اجتمع لحافظ ابراهيم، فكان حقا له من اسمه أوفر نصيب. واذا كنت ممن يجري في صناعة الكلام علي عرق وكتب لك أن يحاضرك حافظ في الأدب لحب علي سمعك عصارة الشعر العربي وأروع ما انتضحت به القرائح من عهد امريء القيس الي الآن. ويمكنك أن تعد بحق حافظا أجمع وأكفي كتاب لمختارات الشعر العربي عرف الي اليوم.وليتهم، إذ يشرف علي السن، بدل احالته علي المعاش يحيلونه علي أحد (دواليب) القسم الأدبي في دار الكتب، إذن لعصموا عليها ذخيرة هيهات أن تعوض علي وجه الزمان.
واذا أردت أن تتعرف لون شعره والي أي واد من أودية الكلام ينتسب فارجع الي أكثر ما يهتف به ويردده من شعر من قبله من الشعراء: وأنه في هذا الباب ليؤمن قبل كل شيء بالصنعة والديباجة ونسج الكلام، وما عدا هذا عنده ففضل. وهو يري، ولقد يري معه كثير، أن جلال الشعر وبهاءه ليسا في التعلق بدقائق المعاني وإن تزايلت من دونها الألفاظ، وأن أدق المعاني وأجلها لتقع للدهماء في محاوراتهم ومنازع كلامهم، أما اشراق الديباجة ونصاحه القول وتلاحم النسج ورصانة القافية فذلك الشعر، أليس يبهرك ويروعك ويهيم فيك كل الطرب قول البحتري مثلا:
ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا
مقصرا في ملامة أو مطيلا
لم يكن يومنا طويلا بنعما
ن ولكن كان البكاء طويلا
وقوله:
وقفة بالعقيق نطرح ثقلا
من دموع بوقفة في العقيق
وقول الشاعر:
يا ليت ماء الفرات يخبرنا
أين تولت بأهلها السفن
وقول الشاعر العربي:
فسائل بني جرم اذا ما لقيتهم
وسعدا اذا حجت عليك بنوسعد
فإن يخبروك الحق عني تجدهم
يقولون أبلي صاحب الفرس الورد
وغير هذا من رائع الشعر مالا يتناوله الحصر.
وبعد فأي معني في مثل هذا يرتفع علي ما تبتذل به العامة في أحاديثهم وأسمارهم وأسباب شكاياتهم: انما خطره كله في لطف الصياغة وشدة القول وقوة الأسلوب. ولو قد ذهبت تؤدي بلغة أخري أفخر ما نظم البحتري وأبوتمام واضرابهما من أعيان الشعراء ما خرجت من ذلك بجليل، بل لو انك تعمدت أبلغ ما قالوا فنقضت غزله ونثرت نظمه ما عدا أن يكون كلاما من أوسط ما اعتاده الناس من الكلام.
هذا رأي حافظ في الشعر، وتلك أيضا صورة من شعره: مشرق الديباجة جزل اللفظ صافي القول محبوك النسج متين القافية، تري معناه في ظاهر لفظه: فإذا أقبل عليك ينشدك من شعره أبصرت البيت يستشرف وحده للقافية استشرافا حتي لتقبض عليها بذهنك قبل أن ينطق بها حافظ ابراهيم.
وحافظ، كما أسلفت عليك، مؤمن كل الايمان بالصنعة، ولقد يسنح له المعني الدقيق فيحاول أن يشكه بالقريض، فإن أصابه في غير قلق ولا إعنات للفظ أو اخلال بقوة النظم وإلا صرف لغيره وجه القريض، ولربما أصاب المعني الرفيع فيسره للنظم تيسيرا حتي يخيل لك، إذ تتلوه، انك في كلام من جنس سائر الكلام!


*****
وهو، كما حدثتك، حاضر البديهة رائع 'النكتة' يتعلق فيها بأدق المعاني في جميع فنون القول: فلا يحتويه مجلس إلا رأيته يتنزي تنزيا من ضحك ومن طرب ومن اعجاب. وهو كذلك شديد الفطنة حلو الملاحظة لا يكاد يعرض لسمعه أو لبصره شيء إلا وجه عليه رأيا طريفا يصوغه في 'نكتة' عجيبة قد تستقر علي سطوح الأشياء وأحيانا تتغلغل الي الصميم حتي تنكشف الأيام لا عن طرفة متطرف ولكن عن رأي حكيم! وهو لا يتحامي في تطرفه ولا يتحرج، فتراه يقتحم عليك بتندره كل مداخلك اني سنحت له اقتحاما فيصيب من خلقك ومن ثيابك ومن أثاث بيتك ومن طعامك، علي انه في كل هذا مرضيك ومؤنسك وباسط أسارير وجهك ان لم يفرج بالضحك من ثناياك. أما اذا كنت رجلا ضيق العطن متزمت النفس فلا خير لك في مجلس حافظ ابراهيم.
وهو أجود من الريح المرسلة، ولو أنه ادخر قسطا مما أصابت يده من الأموال لكان اليوم من أهل الثراء، علي انه ما فتيء طوال أيامه يشكو البؤس حتي اذا طالت يده الألف جن جنونه أو ينفقها في يوم ان استطاع فإذا استغلقت عليه أحيانا وجوه السبل لاتلاف الأموال عد هذا أيضا من معاكسة الأقدار! ولعل هذا من أنه نضجت شاعريته في باب (شكوي الزمان) وقال فيه ما لم يتعلق بغباره شاعر، فهو ما يبرح يطلب البؤس طلبا ويتفقده تفقدا ايثارا لتجويد الصنعة والتبريز في صياغة الكلام.و تلك دعوة كانت للمرحوم الشيخ محمد عبده أحسب حافظا يحققها بيده إذا قصرت في تحقيقها الأيام. وانه فنان (artiste) وان فيه لكل أخلاق الفنانين: قوله بالطعن من جميع أقطاره، فقد يسامحك ويراخي بالصفح عنك أماأن تتولي فنه وتسلك بالطعن صنعته، فذلك الكسر الذي لا يجبر، وذلك الذنب الذي لا يغفر، وذلك مثار الدمع ما يزال هامرا، وذلك منزي الجرح ما يفتأ علي الزمان داميا.
والعجب أن حافظ نفسه ضيق العطن قليل الصبر سريع الغضب، وباويل الأرض منه والسماء اذا تعجل أمرا فألبث دونه دقيقة واحدة، اذن لهاج هياج الصبي فما يجدي فيه التصبير ولا التضليل وما أبدع غضبته وما أحلاها ساعة. بهم بركوب الخيل في الطريق فيري الخيل قد خلعت عنها ارسانها، وهناك تسمع منه، وهو يكاد يتميز من الغيظ، أروع النكتة وبدع الكلام.
وقد عجلت اليه الشيخوخة قبل السن، وضربته أعراض السبعين اذ هو لم يذرف كثيرا علي الخمسين، ففاض من أنسه غير قليل، وشغل بالمرض أو يتوهم المرض فما يلفاك إلا بثك علة طارئة وطالعك بشكاة جديدة، وتنقسم أوهامه مراجعة الأطباء والمتسببين، وترديد النظر في كتب الصحة والأقرباذين، فما سمع بعلة إلا أحس أعراضها، ولا وقع علي عقار من العقاقير إلا اتخذه وتداوي به! ومن أظرف نوادره أن صديقا له لقيه مرة في الطريق وهو منقبض النفس متربد الوجه فسأله ما به، فقال له: ان (المصران الأعور عندي ملتهب) فقال له صاحبه وبماذا تشعر؟ فقال أشعر بوجع شديد هاهنا، وأشار بيده الي جنبه الأيسر، فقال له: (ان المصران الأعور) انما يكون في الجنب الأيمن لا الأيسر! فأجابه حافظ من فوره: (يمكن أكون أنا يا سيدي أعور شمال)!!!

*****
ولا أحسب شاعرا يجيد الانشاد كما يجيده حافظ، وان له لصوتا جهيرا فخما رائع المقاطع فإذا هو وقف ينشد الجماهير هزها هزا ورفع بالترتيل حظ الكلام درجات علي درجات.
ولا تنس لحافظ يدا جليلة علي اللغة العربية بما نظم وما نثر، انشاء وترجمة، فلقد طالما استخرج من مجفوها صيغا طريفة بليغة أدت كثيرا من الأسباب الدائرة بين الناس مما تتحرك معانيه في الأنفس ويعيي أداؤه علي الأقلام.
وحافظ ابراهيم، ولا شك، من مفاخر هذا العصر ومن مباهجه معا. أسأل الله أن يبسط في عمره وأن يرزقه العافية بشرط أن يقتنع هو أنه في عافية!
وبعد فإذا كنت يا صديقي قد وترتك بعض حقك ولم استعرض جميع مزاياك فلكيلا أجعل لأحد سبيلا الي الاتهام، واذا ظن بي شاني، أني لم أتسقط كل هناتك، ان كانت لك هنات أخري، فما كان الود ليريني إلا الخير في أصدقائي، علي انني اعتذر اليك في الأولي، واعتذر للقراء في الثانية، واستغفر الله في الحالين، وأسأله تعالي أن يصرف عني محنة الكتابة ويتوب عليٌ من فن الكلام.
--------------------------------------------------------------------------------

عن 'السياسة الاسبوعية'
11 ديسمبر 1926
المقال غير موقع في باب 'في المرآة' وهو من بواكير فن البورتريه في الصحافة المصرية وكان يتناوب علي كتابته عدد من أدباء وظرفاء ذلك العصر بينهم د. محمد حسين هيكل رئيس التحرير نفسه وعبدالعزيز البشري.


[/color]

نسمـ،ــه
16-07-2007, 12:34 PM
اللغو والغلو والعلو والطريق الثالث

وفاء محمود




أمرنا الله سبحانه وتعالي بأن نعرض عن اللغو فقال في القرآن الكريم‏:‏ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه‏,‏ وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم‏,‏ سلام عليكم لانبتغي الجاهلين صدق الله العظيم‏,‏ ونهانا رسولنا الكريم محمد صلي الله عليه وسلم عن الغلو في الدين حتي لا نهلك كالذين من قبلنا‏,‏ وخاطب الله المؤمنين فقال‏:‏ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين هذه حقائق يعرفها كل مؤمن‏,‏ والمتأمل لحال المسلمين يجدهم غارقين في اللغو والغلو وأبعد ما يكونون عن العلو‏,‏ الذي حدد الله سبحانه وتعالي أنه من نصيب المؤمنين‏,‏ الذين يدفعون بالتي هي أحسن‏,‏ واشترط في كونهم خير أمة اخرجت للناس‏,‏ أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر‏,‏ فهم التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله‏...‏ صدق الله العظيم‏.‏




واللغو يبدأ من هبوط لغة الحوار بين أبناء الوطن الواحد‏,‏ ولا ينتهي عند تبرير العمالة والخيانة بالاستعانة بالعدو علي الشقيق‏,‏ فلغة المعارضين للحكومات العربية‏,‏ وصلت إلي درك من الهبوط الوحشي‏,‏ الذي يخدم الفاسدين الأكثر وحشية‏,‏ الذين يجدون أنفسهم في هذا اللفط جزءا يسيرا من سياق عام يتم تشويه الجميع فيه من رموز وطنية‏,‏ ومسئولين وضعتهم الاقدار في مناخ ملتبس‏,‏ يختلط فيه العاطل بالباطل‏,‏ مما يسمح للفسدة المجرمين بالافلات‏,‏ لتمكنهم من أدوات الخديعة والقوة والنفوذ‏.‏



واللغو يبدأ من هبوط لغة الحوار بين أبناء الوطن الواحد‏,‏ ولا ينتهي عند تبرير العمالة والخيانة بالاستعانة بالعدو علي الشقيق‏,‏ فلغة المعارضين للحكومات العربية‏,‏ وصلت إلي درك من الهبوط الوحشي‏,‏ الذي يخدم الفاسدين الأكثر وحشية‏,‏ الذين يجدون أنفسهم في هذا اللفط جزءا يسيرا من سياق عام يتم تشويه الجميع فيه من رموز وطنية‏,‏ ومسئولين وضعتهم الاقدار في مناخ ملتبس‏,‏ يختلط فيه العاطل بالباطل‏,‏ مما يسمح للفسدة المجرمين بالافلات‏,‏ لتمكنهم من أدوات الخديعة والقوة والنفوذ‏.‏

أيضا مناخ السب والقذف وقلة القيمة‏,‏ تضيع فيه المعارضة الجادة‏,‏ صاحبة مشروع الانقاذ العلمي والثقافي النهضوي الذي نحتاجه بالفعل‏,‏ والأخطر أنه يبرر للحكومات أن تدفع عن نفسها هذا الهراء باستخدام هجوم مضاد من جنس العمل‏,‏ فتتخلي عن مسئوليتها الاخلاقية بحكم موقعها الذي أؤتمنت عليه ويوجب عليها ان تترفع عن الوصول إلي هذا الدرك رفقا بالشعب الذي يوشك علي الكفر بالماضي والحاضر والمستقبل‏.‏


وعندما يصل اللغو الي النخب السياسية والثقافية‏,‏ فلا يكفي الاعراض عما يقولون‏,‏ ولكن النخب الشريفة عليها واجب وطني واخلاقي‏,‏ لا يحل لها أن تعرض عنه في التصدي للعبث بالمفاهيم المستقرة في وعي الناس وضمائرهم‏,‏ كالتشكيك في الهوية العربية التي تجمع العرب من الخليج للمحيط‏,‏ وأنتجت حضارة عربية استفاد منها العالم كله‏,‏ وإذا انكروا التاريخ الواحد والتجربة الحضارية المشتركة‏,‏ فكيف لهم أن ينكروا حقائق الجغرافيا التي وحدت الناس في هذه المنطقة من العرب والاقليات الصديقة عرقية ودينية‏,‏ في حضارة إسلامية عالمية لم تعرف التعصب‏,‏ والعنصرية إلا في أزمنة الانحطاط‏,‏ وكانت دائما وسيلة الاستعمار زرع الفتن وتغذيتها في الشعوب المستعمرة لسهولة السيطرة عليها‏,‏ ولكن كان هناك من العقلاء من يتصدون لمثل هذه المشاريع التي كانت خفية في السابق‏,‏ بينما نجد البعض بعد أن أصبحت هذه المشاريع التفكيكية علنية يستغلونها لتحقيق مصالح ضيقة فشتان بين خطاب مسيحيي لبنان رواد العروبة ومقولتهم الشهيرة إذا كانت المسيحية ديانتي فالاسلام وطني وبين الخطاب العنصري الصريح الذي يتم تداوله لبعض القيادات السياسية الآن‏.‏




والغلو الفكري عامة والديني خاصة‏,‏ نتيجة طبيعية لهذا اللغو الهمجي‏,‏ فعندما تشوش الافكار‏,‏ يعود الناس الي مبادئهم الأولية ليتحصنوا بها‏,‏ دينية كانت أو عرقية‏,‏ أو تتقوقع النفس علي ذاتها في أنانية مفرطة تبحث عن خلاصها الفردي علي طريقة لو خرب بيت أبوك خد لك منه قالب‏!‏



ومواجهة اللغو والغلو الداخلي هي أساس مواجهة اللغو والغلو الخارجي‏,‏ الذي يتعالي علينا بمشاريع سلام وهمية ما هي إلا لغو محض‏,‏ ولا تنطوي إلا علي الغلو في حماية مصالحه علي حساب الملايين من فقراء العالم الثالث من العرب والمسلمين وهو ما تسميه الباحثة فيفيان فورستر الإرهاب الاقتصادي‏,‏ فتحذر من العولمة الاقتصادية المفروضة علي الدول من إبادة اقتصادية تتخلص من أعباء الملايين من العاطلين في الدول النامية‏,‏ أيضا علينا أن نتساءل عما وصلت إليه اتفاقية أوسلو في فلسطين وما تلاها من تفاهمات تينيت وميتشل وغيرهما وأخيرا خريطة الطريق التي أعلن فشلها مؤخرا‏10‏ وزراء خارجية بدول الاتحاد الأوروبي في رسالتهم إلي توني بلير المبعوث الجديد للجنة الوساطة الرباعية‏,‏ وفيها لم يجرؤوا علي مطالبة إسرائيل بالالتزام بالقرارات الدولية ولكن مجرد تنازلات لدعم الرئيس أبومازن‏!.‏

أيضا علينا ألا نتساءل فقط عن الديمقراطية الأمريكية في العراق‏,‏ بل نعي ونفكر ونحذر من نوعية المشاريع التي تفرض علينا باستخدام العملاء وطمس الحقائق بطوفان من اللغو المحكم‏.‏

فالديمقراطية ليست وصفة جاهزة‏,‏ ولا يمكن لها أن تكون كذلك‏,‏ ولكنها منتج اجتماعي‏,‏ تفرزه قوي مجتمعية بأنماط مختلفة‏,‏ حسب طبيعة المجتمع ودرجة تطوره‏,‏ ولا يوجد شكل واحد للديمقراطية‏,‏ فهي وسيلة لتحقيق العدالة والأمن الاجتماعي والسلم الأهلي‏,‏ تحمل سمات وطبيعة المجتمع الذي انتجها‏,‏ فهي وسيلة للحرية وليست هي الهدف في حد ذاتها بشكل محدد يفرضه طرف آخر له مشاريعه الخاصة به‏,‏ لا بالشعب المفروضة عليه ـ وانضم إلي الغلو البوشي في هذا الأمر الغلو الساركوزي بفرنسا‏.‏

عموما مازال الأمل ينعقد علي وعي الشعب الذي لم يفقده يوما‏,‏ الذي لا ينخدع لا بالخطاب الثوري أو العنصري أو حتي الشعبوي‏,‏ فهو عندما ناصر ناصر منتصرا ومهزوما‏,‏ كان ينتصر لنفسه‏,‏ فقد إنحاز ناصر لمصلحة أوسع الجماهير‏,‏ وللوحدة العربية التي يؤكدها التاريخ والجغرافيا والأهم الثقافة‏,‏ ووعي الشعب الفطري سيقوده إلي الطريق الثالث الذي بدأت معالمه تظهر في فلسطين‏,‏ بالمبادرة التي قدمتها الجبهة الشعبية والمبادرة الوطنية للخروج من المأزق‏,‏ وفي العراق بالعمل علي توحيد المقاومات في مقاومة واحدة في جبهة تترفع عن الطائفية التي يغذيها الاعداء‏,‏ ووعي الشعب يتضح بشكل ملحوظ في الإعراض عن صحف الاثارة واللغو‏,‏ باحثا عن العلو والتقدم عن طريق المتخصصين الجادين الذين يملكون حلولا علمية وجذرية لهمومه ومشاكله‏,‏ أملا في يوم تتردد فيه المظالم‏,‏ أبيض علي كل مظلوم‏,‏ إسود علي كل ظالم‏!

نسمـ،ــه
17-07-2007, 02:25 PM
بديل عن الانفجار العظيم او ال? *Big Bang:
" ليس للكون بداية و لن يكون له نهاية."

الن وودز



ان نشر سبب للثورة قبل سبع سنوات قوبل بحماس من قبل العديد من الناس، ليس فقط من اليسار، و لكن ايضا من قبل العلماء و المهتمين بالفلسفة وآخر النظريات العلمية، كنظرية الفوضى والتعقيد، التي تعكس من نواح عديدة نظرة جدلية للطبيعة.

آخر إكتشافات علم الحفريات،و بشكل خاص العمل الرائد لستيفن جي غوولد (التوازن المتقطع)punctuated equilibria ?عدّلت جوهريا وجهة النظر القديمة القائلة بالتطور كعملية تدريجية بطيئة، لا تعيقها الكوارث والقفزات المفاجئة. و قد عبّر غوولد نفسه عن تقديره لمساهمة إنجلز، الذي استبق، في مؤلفه الممتاز ، دور العمل في تحول القرد الى انسان، آخر الإكتشافات بشكل مبدع في استقصاء الاصول الإنسانية.

منذ أن ظهر الكتاب لاول مرة، شهدنا خطوات اخرى مدهشة في العلم - وبشكل خاص في علم الجينات الإنساني. هدّمت هذه النتائج مواقف الحتمية الوراثية بالكامل و التي كنا إنتقدناها في سبب للثورة. وجّهت هذه ضربة هالكة أيضا إلى هراء المؤمنين ?بقصّة الخلق الذين ?يرفضون الدارونية من اجل الفصول الأولى في سفر التكوين. كما انها قطعت الطريق ?امام العنصريين الذين ?حاولوا? استخدام فضل علم الوراثة لترويج "نظرياتهم" العلمية الرجعية الزائفة.

?الا انه هناك جزء من كتاب سبب للثورة وجده البعض صعب الاستساغة ? و هو القسم المخصص للكوسمولوجيا ﴿علم الكون﴾، حيث تجادلنا ضدّ نظرية? الانفجار العظيم. ان النموذج المقياس للكون حصينا بحيث ?بدا مستحيل زعزعته. و تقبلته الأغلبية الساحقة بدون نقد. و كان الشكّ فيه تقريبا مستحيلا كما لو ان ?البابا في رومة يضع ?مفهوم الطهارة الابدية محل شك .

كانت نظرية الانفجار العظيم محاولة لتفسير تأريخ الكون بالاعتماد على ظواهر معينة، و بالتحديد حقيقة انّنا يمكن أن نرى إنحسار المجرات من بعضها البعض لهذا? يعتقد معظم الفلكيين بأنّ تجمّعات النجوم هذه كانت في الماضي أقرب الى بعضها البعض . فلو نعيد الشريط ?الى الوراء ?فان المادة والمكان والزمن ولدوا مع من نقطة ما خلال إنفجار هائل، يتضمّن كميات مذهلة من الطاقة.



?حسب النموذج الكوسمولوجي المقبول على نحو واسع، و الملقب بالنموذج التضخّمي،فان الكون ولد دفعة واحدة من المادة والطاقة. و ما هذا الا نظير حديث للعقيدة الدينية القديمة ?في خلق العالم من لا شيء. إنّ الانفجار العظيم يزعم ان يكون بداية للمكان و المادة والزمن. و بما ان الكون انتفخ منذ ذلك الحدث فان? المادة والطاقة إنتشرا في شكل كتا متراصة. و هذا الإنتشار يمكن أن يستمرّ إلى الأبد.

لاقى هذا النموذج قبولا كبيرا لأنه يعلل عدّة ميزّات مهمة نراها في الكون ? من قبيل لما كلّ شيء يبدو ذاته في كلّ الإتجاهات وحقيقة أنّ الكون يبدو "منبسطا" (الخطوط المتوازية لا تلتقي مهما كان ?طولها).

لاحظ روبرت بي . كيرشنير- الفيزيائي ?و عالم الفلك في جامعة هارفارد- ان "فكرة التضّخم لها تاثير واسع الانتشار . "فلا توجد اية ملاحظة تثبت خطاها." لكنه أضاف "هذا ?بالطبع لا يعني أنّها صحيحة."??? ( National Geographic News 25 أفريل/نيسان 2002)

في الحقيقة، تتضمن هذه النظرية مشاكل هامة كنا قد استعرضناها بالتفصيل في سبب للثورة .و بالخصوص الاسئلة المتعلقة بما حدث "قبل" الانفجار العظيم و التي لا سبيل لطرحها لأن من المفترض أنه لا يوجد " قبل" ? بما انه لم يكن هناك زمن. بهذه الطريقة وضع تقييد مطلق حول ?إمكانية ?فهمنا للكون مما ?يترك الباب مفتوحا امام جميع أنواع الأفكار الغيبية و التجريدية- التي اخذت تتهاطل بكثرة في السنوات الأخيرة. مع هذا، فان النظرية التضخّمية لا تزال على الساحة العلمية منذ ظهورها في أواخر السبعينات، في نفس الوقت ما انفك علماء الكون يطرحون ?أفكار منافسة واحدة بعد الآخرى.

الا انه بدت مشاكل جديدة للنظرية الحالية ظاهرة للعيان. آخرها ?كان في 1998، عندما اظهرت دراسات النجوم البعيدة المتفجرة ان الكون يتممد بنسق متسارع. كانت هذه مفاجأة كبيرة، بما أن معظم الباحثين يعتقد أنّ الكون يتمدد بنفس النسق و للابد او انه? سيتباطأ في التممد وينكمش، و بهذا يتحول اتساع الكون الى انطواء وهو ما يعرف بنظرية ?" الانطواء العظيم".

في الإسبوع الماضي ، قدم تقرير من قبل بول جي . شتاينهاردت وزميله نيل توروك بجامعة كامبردج و نشر في 25 أفريل/نيسان على موقع الواب لمجلّة علوم?? ( Science) الرفيعة المستوى ، و تضمن التقرير تحديا جدّيا للحكمة المسلم بها. ?اذ قدّم العالمان نموذجا جديدا لتفسير ماهية الكون و مصيره ?مفاده ?- وهو نفس ما ذهبنا اليه في مؤلفنا سبب للثورة ? ان " ليس للكون بداية او نهاية''.

يشير شتاينهاردت وتوروك بأنّ للنموذج المقياس عيوب عديدة. اذ لا يستطيع إخبارنا عما حدث قبل الانفجار العظيم أو توضيح المصير النهائي للكون. هل هو يتسّع إلى الأبد أوانه سيتوقّف وينكمش؟ هذه بعض من الإعتراضات التي اثرناها في سبب للثورة.

يذهب العالمان بأنّ الكون يمرّ بدورة لانهائية - ?من انفجار عظيم وتوسّع وركود - مدفوعا (مثلما فسرنا) من قبل "طاقة مظلمة". كما ياكدون على ضرورة الاخذ بعين الاعتبار الاكتشافات الاخيرة التي فاجأت النخبة العلمية - مثل ملاحظة ?ان كلّ شيء في الكون يتحرّك على حدة في نسق متسارع. و تم فحص هذا التسارع الظاهري فتبين ?انه حقيقة. النموذج المعيار لم يتنبا بمثل هذه الخاصيات!

للتوضيح ،قام ?الفلكيون باثارة فكرة قديمة تقول بان الفضاء يحتوي ?على ما ما يسمّى بالطاقة المظلمة التي تدفع المجرات بعضها عن بعض. وضع شتاينهاردت وتوروك هذه الطاقة - الحقل التدرجي كما يصفونها رياضيا - مركزا لنموذجهم الجديد.و هم يعتقدون ان الطاقة المظلمة تقود نشاطا دوريا يشمل انفجارا عظيما تليه مرحلة من التوسّع? تترك الكون املسا و فارغا و منبسطا.

يقدم النموذج الجديد بديلا عن ?النموذج المقياس. يتناول الانفجار العظيم ليس كلحظة خلق، و انما تحول بين دورتين في عملية لانهائية من الإنبعاث الكوسمولوجي. طبقا للنموذج، ?فان الانفجار العظيم تبعته فترة ?من التوسّع البطيئ والتراكم التدريجي من الطاقة المظلمة. ?و حين تصبح الطاقة المظلمة مهيمنة، فانها تثير اسراعا كونيا. و يدعي المؤلفان ان العصر الحالي يقترب من فترة الإنتقال بين هذه المراحل.

في الوقت الحاضر، هما يعتقدان ان ?الكون يمر بمرحلة ?توسعية، والتوسّع الحالي سيستمرّ لتريليونات من السنوات، قبل الوصول الى نقطة حرجة حيث تأخذ العملية إتّجاها جديدا. بالرغم من أن هناك العديد من الأسئلة بدون ?اجابة ( وبشكل خاص ?حول"الطاقة المظلمة " المفترضة)، فان النموذج الجديد يمثل تقدما شاسعا على حساب ?النموذج الحالي ، الذي يقول بأنّ ?الانفجار العظيم كان بداية الزمن والمادة والمكان والطاقة - وهو واضح انه مفهوم تجريدي ولاعلمي. تتخلّص النظرية الجديدة من فكرة ?ان الكون له? بداية و نهاية - هو لانهائي في الزمان و المكان.

يضيف شتاينهاردت: "في الصورة النوذجية، من ?المفترض أن ?الضربة الكبرى ?هي بداية الزمن و المكان؛ و انه كان هناك عدم، وبعد ذلك فجأة ولد من العدم المكان? الزمن، المادة، و الاشعاع، الخ."

بالرغم من أنه ثبت ?ان إزاحة هذا النموذج امر صعب ، فان العديد من العلماء ابدوا قلقهم حول ما يكتنفه من تناقضات وتضاربات. و طبقا لشتاينهاردت، فان النظرية الجديدة "تتنبا بجميع مميزّات النموذج القياس مستخدمة مكونات أقل." في الحقيقة، عدّة مميزّات للكون يمكن أن توضّح بشكل أفضل ?عن طريق النموذج الدوري، بما في ذلك ?هندسة الكون، إتساقه العامّ، وبشكل خاص، وجود التسارع. ناقش مؤلفا التقرير أفكارهم مع علماء آخرين فلاقوا تجاوبا،و لكن مع شيء من "الحذر".


إنّ النموذج الجديد هو ايضا مثال آخر للقانون الجدلي عن تحول التراكم الكمي إلى نوعي.فال " الحقل التدرجي يغيّر سمته بمرور الوقت، يقول بول شتاينهاردت متحدثا للبي بي سي : " ?في النهاية ، يبدأ الحقل بانشاء الطاقة إلى نقطة حيث تصبح غير مستقرة ?و فجأة تنفجر مكونة المادة والإشعاع، فيملان الكون، ويفتتحان فترة تالية للتوسّع."

نحن هنا نتحدث عن فترات زمنية شاسعة لايمكن تصوّرها. كلما ازدادت سرعة التوسّع على امتداد تريليونات من السنوات فان المادة ?والطاقة يتممدّان بشكل تدريجي عبر الكون. في النهاية، فان المادة و الاشعاع وحتى البقع المظلمة تصبح ممتدّة جدا بحيث تتبدد إلى لا شيء و مخلفين ورائهم كونا هائلا يسوده الفراغ .

"في هذه النقطة من الرحلة،تكون جزيئات المادة متناثرة- وتبتعد عن بعضها البعض? بسرعة ?كبيرة- بحيث لا يمكنها التفاعل و عمليا تتفرق إلى اكوان مستقلة. يدعو شتاينهاردت وتوروك مرحلة شبه الفراغ هذه " الانطواء العظيم ". يثير الفراغ الطاقة المظلمة فتتجسد مادة وإشعاعا من خلال انفجار عظيم ?اخر، ينعش دورة او مرحلة التوسّع." ( National Geographic News 25 أفريل/ نيسان 2002)

هذا النموذج ينهي الهراء القائل بخلق الكون من لا شيء:

"ما نعرضه في هذه الصورة الجديدة هو أنّ الانفجار العظيم ليس بداية الزمن و انما في الحقيقة هو آخر ما في سلسلة لانهائية من المراحل، مر خلالها الكون بفترات من الحرارة ?والتوسّع، والرطوبة، و الركود، و الافراغ، وبعد ها عاد ليتوسّع ثانية و هكذا." (تقرير البي بي سي)

?الصورة المقدّمة عن الكون هنا تتّسق كليّا مع نظرية المادية الديالكتيكية، التي تقر بأنّ الكون ?متغيّر باستمرار وأبدي ولانهائي. هذا لا يعني استبعاد احتمال الانفجار العظيم. في الحقيقة، كنا قد ?صرحنا انه من المحتمل هناك العديد من الانفجارات العظمى. و من المؤكد ان ما يجب ان يوضع جانبا هي قضية ان المادة (أوالطاقة، و هما نفس الشيء) يمكن أن يخلقا من لا شيء (مثلما تقر نظرية الانفجار العظيم) أو ان? يدمرا.

هو، بالطبع، صعب جدا ان نجد حلا للمشاكل التي يطرحها كون لانهائي. ?يعترف ماركوس تشاون ?الباحث في الكوسمولوجيا انه سيكون من الصّعب للغاية إثبات أيّ نموذج للكون. وهو يصرح بكل نزاهة متحدثا للبي بي سي ?بان: "تأريخ الكوسمولوجيا هو ?التأريخ باننّا مخطئون تماما. "أعني ان الكوسمولوجيا هي الاعسر بين العلوم ؛ فنحن قابعون في هذا الكوكب الصغير جدا ?في وسط هذا الكون الواسع، لا نستطيع الذهاب إلى أيّ مكان لنقوم بالتجارب - كلّ ما يمكننا عمله هو إلتقاط الضوء الذي يقع علينا ونستنتج بعض الأشياء عن الكون."

بالرغم من هذا، يواصل العلماء تقصّي أسرار الكون والطبيعة و ينتزعون ?النتيجة بعد الاخرى. إنّ تأريخ العلم ?هو تأريخ ارتقاء الإنسانية من الجهل إلى المعرفة ، و من الخطأ إلى الحقيقة. هذه نفسها عملية جدلية، حيث كلّ جيل يصل إلى نظرية توضّح العديد من الأشياء.ولكن في مسار ذلك، تحدث انحرافات صغيرة ?تناقض النموذج المقبول.وهو يؤدّي إلى اسقاطه في النهاية وابداله بنموذج جديد، يقع هو ايضا تجاوزه.

بهذه الطريقة، تغوص المعرفة الانسانيّة أعمق فأعمق في أسرار الكون الى ما لا نهاية. و لن تشرق شمس اليوم الذي تصبح فيه الانسانية قادرة على القول: " الآن ?نحن ندرك كلّ شيء." ?إنّ هذا الكون لانهائي، وهي كذلك عملية الادراك الإنساني، التي تمر حتما بسلسلة كاملة من الأخطاء، أو بالاحرى من الحقائق الجزئية.

?يجب أن تبرهن النظرية الجديدة عن طريق الملاحظة. اذ توجد طرق لانجاز ذلك. فعلى سبيل المثال، الموجات الجذبية، خاصية للكون تنبات بها النسبية العامّة، ستأخذ شكلين مختلفين في هذين ?النموذجين. فلن تكون هناك موجات جذبية ?طويلة في كون دوري، مثلما هو الحال في الكون المتضخّم.

و هكذا فان ?قياسات الموجات الجذبية وخاصيات "الطاقة المظلمة" يمكن أن توفر طرقا ?حاسمة ?للتمييز بين الصورتين عن طريق الملاحظة. الجهود جارية لقياس وتمييز الموجات الجذبية، لكنّه من المحتمل ان ?يستغرق على الأقل عدّة سنوات لجمع البيانات المفيدة. إنّ ?القمر صناعي بلانك Plank، الذي برمج اطلاقه ?من وكالة الفضاء الأوربية سنة 2008 قد يساعد على حسم المسألة.

من المبكر جدا القول انه سيمكن التحقق من ذلك بالتفصيل. المهم ان شوائب? نظرية الانفجار العظيم? اصبحت واضحة الآن، والبحث جار على بديل. و سواء أكانت النظرية الحالية صحيحة في تفاصيلها ام لا، فان الطريقة التي اتبعها المؤلفان - طريقة مادية وجدلية - صحيحة.? وكما كتبا بصواب في علوم: " ستكون الطبيعة الحكم النهائي."

*نظرية ال Big Bang أو الانفجار الكبير وضعها العالم جورج غاماو عام 1948. وتقول النظرية إن الكون نتج عن انفجار ضخم حدث منذ حوالي 15 مليار سنة.



الن وودز

لندن ??30 افريل ??2002

?ترجمة: نديم المحجوب

نسمـ،ــه
21-07-2007, 12:22 PM
الكتاب: زلزال العقول
الكاتب: وائل عادل
الناشر: بيروت ـ الدار العربية للعلوم، ناشرون ـ 2007

يعالج هذا الكتاب منهجيات التفكير، مسلطاً الضوء على زوايا دقيقة من أنماط التفكير الحي الذي من شأنه أن ينقل المجتمعات بشكل نوعي. يسمّي المؤلف هذا الأمر زلزالاً لأنه يرج العقل رجاً، ويعيد ترتيب الأفكار بشكل جديد، فيهذب أفكاراً، ويضيف أخرى، ويجتث، أحياناً، بعض الأفكار التي لا يصلح بها عقل تغييري.
يرى المؤلف، في سياق هذا البحث الهام، أن أي تحوّل يحدث على أرض الواقع، يسبقه تحوّل في الفكر القائم على صناعة التحوّل. والدليل على ذلك، أننا عندما نسعى الى تأسيس مستقبل جديد، نفعل ذلك وفقاً لمعطيات وتصورات في عقولنا. فإن كانت هذه التصورات إيجابية وناضجة وفاعلة، انعكست على الواقع بعمل حي يرتقي بالمجتمعات وينمّيها ويطوّرها. وإن كانت مشوّهة أو مضطربة، انعكست على نحو من ممارسات متأرجحة ومرتبكة. لذلك، يعتقد الكاتب أن ثورة العقول هي وحدها بداية التغيير المنشود، وهي التي تمنح الإنسان بريق الفكرة، وبها تتقدم الأمم وتنهض المجتمعات.
يتضمن الكتاب عشرين مقالاً تعالج العقل وأنماط التفكير. وقد صيغت بأسلوب سهل لا تعقيد فيه ولا غموض، يسهل تداولها ومناقشتها، واستيعابها. إن زلزلة العقول، كما يتناولها الكاتب، هي من أولى أولويات التغيير، لأنها تردم الفجوة بين المستحيل والممكن. وهي زلزلة تناقش في المسلمات، وما يعتقد أنه من الأفكار الراسخة. والهدف هو إعادة تشكيل العقول، وتحقيق النقلات النوعية في التجربة البشرية.
من فصول الكتاب: الكومبيوتر قال لي: عقلك يحتاج الى ترتيب؛ لعبة المحترفين؛ بلطجية الفكر؛ صراع الأحلام؛ استراتيجية التحليق؛ أهلاً بالمجانين؛ الى الواقفين في الطابور...
يقع الكتاب في 83 صفحة من القطع الصغير.

نسمـ،ــه
24-07-2007, 12:42 AM
صدر حديثا في دمشق كتاب بعنوان الماء في التراث العربي الإسلامي للدكتورة بغداد عبدالمنعم وفيه تستعرض الكاتبة أهمية الماء في تاريخ العرب والمسلمين، ومدى اهتمامهم بموضوع ومشاكل الثروة المائية والحلول المقترحة لها. وترى الباحثة بأن تأريخ العلوم العربية للماء هو عملية حضارية تحتاج إلى أدوات علمية دقيقة، وتحتاج إلى استيعابات لأبعاد عديدة منها بعد قراءة النص التراثي العلمي، ومنها بعد تحليله، وكذلك التقييم الموضوعي والزمني. كما استعرضت المؤلفة تعدد مفهوم الماء قديماً، والذي كان في الحضارة الكلدانية التي عرفت عددا من الخبرات والمعلومات مثل الأدوات والوسائل المستخدمة في حفر الآبار وتصنيع مواد البناء والمنشآت المائية وطرق استخدامها، واتجاه هذه الخبرات الهندسية إلى دجلة والفرات ومصر واليمن.
ثم تطرقت الكاتبة إلى الماء والظواهر الهيدرولوجية في التراث اليوناني الذي درس الماء وظواهره بحيث ظهر ذلك في دراسات أرسطو في كتابه في السماء والآثار العلوية مبرزاً التحولات الحاصلة بين عناصر النار والهواء والماء والأرض ويوضح أرسطو آلية التحول ودور الحرارة في أحداث ظاهرتي التبخر والتكاثف.
كما سلطت المؤلفة الضوء على الماء في التأريخ المعجمي العربي والتي سجلت في نصوص بأسلوب تصنيفي موضوعي وكان منها كتاب البئر لابن الأعرابي والفصول المائية من كتابفقه اللغة وسر العربية للثعالبي.
وتعتبر عبدالمنعم بأن كتاب البئر لابن الأعرابي جاء بمفهومات أساسية في المياه الجوفية والآبار بحيث أوجد مفهومات حديثة علمية ومفهومات تتعلق بتلوث الماء وأفاد في اقتراح بعض المصطلحات الأصلية التي تخدم مفهوماً مائياً حديثاً. وأشارت الباحثة إلى الماء في فقه اللغة وسر العربية للثعالبي الذي وضع تصنيفات وتعريفات بخواص الماء وفعالياته وأشكال وجوده في الطبيعة. وفي دراسته لهيدرولوجية الآبار التي تربط الجريان في الآبار والهبوط في المستوى المائي أثبت وجود نوعين من الجريان، الجريان الثابت المتوازن، الجريان غير الثابت ومن جهة أخرى الجريان السطحي والجريان تحت السطحي.
ومن جهة أخرى تطرقت عبدالمنعم إلى محاور من التأريخ التشريعي للماء، فكان التشريع المائي جزءا من القاعدة التشريعية الدقيقة للحضارة الإسلامية وبالتالي شكل مجالا لاجتهادات عديدة ونوعية هدفت إلى التعبير الحقوقي عن تنظيم الممارسات المائية وتنظيم علاقات المستثمرين بمصادر المياه وحماية الموارد المائية، ومتابعة مواصفات المياه المستعملة في كافة الفعاليات.
وأشارت الباحثة إلى التشريعات المائية في الإسلام والتي تتعلق بحماية مصادر المياه السطحية والجوفية، فقيدت السحب المفرط منها وذلك بإبعاد حدود يتم بها حماية المصادر، كما اعتمدت هذه التشريعات فيما بعد على نظريات وإجراءات هندسية هدفت إلى تحديد تصور واقعي لأشكال التكوينات المائية داخل الأرض وآلية حركتها ونوعية التربة الحاوية لها والمحيطة بها.
وفي الإطار نفسه استعرضت المؤلفة الاستراتيجية الإسلامية الناظمة للحقوق المائية المتمثلة في الحضور الإسلامي بمكوناته وأسباب وجوده، من القرآن الكريم والسنة الشريفة والإجماع والقياس والاجتهاد أيضاً، وذلك بالتوجهات الإنسانية الشاملة ذات الطابع الكوني والأرضي بحيث أقر القرآن الكريم بما للماء من أهمية وقيمة لكوكب الأرض ومخلوقاته وذلك في 58 موضعاً من أربعين سورة ذكر فيها الماء في أهميته الأساسية للخلق فهو مادة الحياة وفي أهميته الأرضية ودخوله في تشكيل بنية هذه الكواكب وطبقاته، وكذلك في ديمومته ودوريته الدورة الهيدرولوجية المؤدية للفعاليات المناخية المختلفة. وأعدت الباحثة على تضمين هذه الاستراتيجية المحافظة على البيئة المائية وحماية المصادر المائية الجوفية من استنزاف وتنظيم التباعد بني الآباء والقنوات لإلغاء ظاهرة التداخل. وأشارت المؤلفة إلى ضرورة وجود المقاربات البحثية الحداثية في البحث التراثي باعتباره يساهم في تأصيل واستمرارية الثقافة العربية والإسلامية بالإضافة إلى كونه حاجة عربية عالمية جديدة.
وترى الكاتبة أن المياه أصبحت في الوقت الحاضر مشكلة الأرض وذلك بسبب التجاوزات والاختراقات الكثيرة لمبادئ تتعلق بحماية المياه من التلوث والاستنزاف، وعدم احتكار الثروة المائية وشراكة الأرض كلها بهذه الثروة، عدد المنشآت المائية والتباعد بينها، مؤكدة على ضرورة اتباع التشريعات الإسلامية في صياغة الحقوق المائية وتفصيلها في اجتهادات مائية نوعية.وفي هذا السياق تدعو الباحثة إلى متابعة البحث والتحليل في هذا الإرث التشريعي المائي الإسلامي وتحريره بشكل كامل ليقدم كحلقة تاريخية مهمة في التشريعات المائية الدولية المعاصرة. ومما يذكر أن بغداد عبدالمنعم مهندسة مدنية، حاصلة على دكتوراه في هندسة المياه الجوفية في التراث العلمي العربي والإسلامي، صدر لها كتاب أنباط المياه الخفية وكتاب حلب في أحاديث الماء والجمال و«حلب مدينة أم أغنية وحوارية مع ابن شداد. [/color][/size]

نسمـ،ــه
01-08-2007, 01:00 PM
الرؤيا الجديدة لمحمود درويش
جابر عصفور الحياة - 01/08/07//



يتميز شعر محمود درويش - في مرحلته الجديدة، ابتداء من «لا تعتذر عما فعلت»، و«لماذا تركت الحصان وحيداً؟»، و «سرير الغريبة»، و «جدارية محمود درويش» إلى «حالة حصار» و «كزهر اللوز أو أبعد» وانتهاء بنص «في حضرة الغياب» - بأنه شعر يلفت الانتباه إلى حضوره الذاتي، قبل أن تجاوزه العين إلى ما يقع وراءه من مشاهد، أو يشير إليه من وقائع وأحداث، فهو شعر وعي لا تجتليه العين القارئة إلا في علاقات الدوال التي تجذب بها القصيدة الانتباه إلى حضورها في أسطر من قبيل:

القصيدة «ما بين بين»:

وفي وسعها أن تضيء الليالي بنهدي فتاة

وفي وسعها أن تضيء الليالي بنهدي فتاة

وفي وسعها أن تضيء بتفاحة جسدين

وفي وسعها أن تعيد

بصرخة غاردينيا

وطن.

فهي قصيدة تنطلق من مبدأ أنه على قدر حلمك تتسع الأرض، والأرض أمّ المخيلة النازفة، والمخيلة النازفة كالحلم كلاهما لا يعترف بالحدود العملية المنطقية بين الأشياء، ويؤثر الاستعارة على التشبيه، والبصيرة على البصر، والحدس على الاستنباط، وأخيراً يعرف كيف يسوس الصور المتأبّية على المدار المغلق أو النسق المقفول، ولذلك يصف صاحب هذه القصيدة إبداعه بقوله:

أمشي على هدى البصيرة، ربما

أعطي الحكاية سيرة شخصية، فالمفردات

تسوسني وأسوسها، أنا شكلها

وهي التجلّي الحر، لكن قبل ما سأقول

يسبقني غدٌ ماضٍ. أنا ملك الصدى


لا عرش لي إلا الهوامش. والطريق

هو الطريقة. ربما نسى الأوائل وصف

شيء ما، أحُرِّك فيه ذاكرة وحسّاً.

والأسطر تنبئ عن حضور التناص بصفته عنصراً تكوينياً أساسياً، عنصراً يجعلني أفهم عبارات من مثل «أنا ملك الصدى» أو «لا عرش لي إلا الهوامش» على أنها إعلان عن تناص القصيدة، وذلك بالمعنى الذي يجعل التناص تحولاً حراً ما بين أنساق سابقة وحاضرة، فلا يمكن حصره في علاقة (أو حتى علاقات) وحيدة البعد. إنه حركة مركَّبة في الخيال الخلاق للشاعر والقارئ معاً، حركة تنطوي على التوتر، مولّدة للعلاقات الخلافية التي تسوس الكلمات وتسوسها الكلمات في الوقت نفسه، بعيداً من أحادية الدلالة أو المعنى أو المقصد، فالتناص تخلّق لا حدود لتوليده، كأنه محاكاة لا تنفك ترجع القهقرى، مذكِّرة إيانا بما كتبه الروائي البريطاني الشهير لورنس داريل (1912-1990) عن أن كل كتابته اقتبسها عن الأحياء والأموات، حتى غدا هو نفسه حاشية فوق رسالة، لم تنته أبداً. والمسافة قريبة جداً بين دلالة «الحاشية» - في عبارات لورنس داريل – و «عرش الهوامش» أو مملكة الصدى في قصائد محمود درويش، لكن بالمعنى الذي لا يعلن «موت المؤلف» بل حضوره الفاعل بخياله الذي يتحرك فيه ذاكرة وحساً. ولذلك لا يتردد المؤلف المعلن - محمود درويش - في:

خضراء أرض قصيدتي خضراء

يحملها الغنائيون من زمن إلى زمن كما هي في

خصوبتها.

ولي منها: تأمل نرجس في ماء صورته

ولى منها: حمار الحكمة المنسيّ فوق التل

يسخر من خرافتها وواقعها.

ولي منها: احتقان الرمز بالأضداد

لا التجسيد يرجعها من الذكرى

ولا التجريد يرفعها إلى الإشراقة الكبرى.

وقد حرصت على نقل المقطع – على رغم طوله - لأنه دال على إعلان فرحة الشاعر بإبداعه. وهي فرحة لا بد من أن نفهمها في سياق جداريته التي كتبها بعد جراحة وضعته في مواجهة الموت، ومنحته فرصة التحديق في وجه الموت، كما قال الفيلسوف كيركغارد (1813-1855) أو التحديق في عمق الوجود المظلم، والعلاقة وثيقة بين العبارتين اللتين لا تفارقان - على طريقة الخلف - عشق الحياة المقترنة بالخصوبة المتجددة واللون الأخضر الذي يفترش الأرض في الربيع الذي يأتي بعد الشتاء، أقصد إلى عشق الحياة التي يجتلي معها الشاعر صنعه كما يجتلي نرجس صورته المنعكسة على سطح الماء، وذلك في وضوح الظل الذي هو ضوء، ينسرب إلى المترادفات، غير مفارق دقة المعنى، ولكن لا بالدلالة التي تعيدنا إلى صورة الشاعر الرومانطيقي الذي:

«هبط الأرض كالشعاع السنيّ/ بعصا ساحر وقلب نبيّ».

بل تضعنا في حضرة وعي ساخر لا يفوته «حمار» الحكمة المنسي فوق التل، يفيد الشاعر من


حمولته (هل هي إشارة إلى قوله تعالى: «كمثل الحمار يحمل أسفاراً»؟!) بما يدنيها إلى عالمه الذي هو عالمنا، هازئاً بخرافتها التي يحيلها إلى رمز محتقن بالأضداد، وذلك كله كي يؤسس قصيدة هي «الما بين» الذي يتوسط التجسيد والتجريد، جامعاً بينهما، بما يفر من الماضي (الذكرى) إلى المستقبل الذي قد يحمل بشارة الإشراقة الكبرى.

والإشارة إلى «الما بين» لها صلتها بوضوح الظل في المترادفات ودقة المعنى. وهي صلة تذكِّر بكلمات أبي حيان التوحيدي التي نقلها محمود درويش - في ديوانه «كزهر اللوز أو أبعد» - عن الليلة الخامسة والعشرين في كتابه «الإمتاع والمؤانسة»، حيث قال التوحيدي: «أحسن الكلام ما... قامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم». هل يلقي هذا الاقتباس ضوءاً على الحكمة المنسية فوق التل، أو المراوحة بين التجسيد والتجريد؟ أياً كانت الإجابة فإنها تلفت الانتباه إلى مباني القصيدة التي تؤثر السهل الممتنع، وتخاطب صاحبها كأنها النجوى، معتمدة على ضمير المتكلم الذي يغدو ضميراً للمخاطب في تجليات «التجريد» في البلاغة القديمة حيث تزدوج «أنا» المتكلم، فيصبح هو المخاطِب والمخاطَب في آن معاً، كما علَّمونا في تفسير قول الشاعر القديم:

«أتصحو أم فؤادك غير صاحٍ/ عشية هَمَّ صحبك بالرواح؟».


لكن تجريد محمود درويش لا يشبه التجريد القديم إلا في الشكل الخارجي، لأنه يجاوز التأمل الميتافيزيقي (الذي غزا القصائد الأخيرة) إلى حال وجود القصيدة الحاضرة كالغياب، أو غيابها الذي لا يفارق حضورها الملتبس، وذلك في مراوغة الدلالات (حمّالة الأوجه) التي لا تكف عن توليد المعاني وإطلاق سراح الدوال. ويشير الحضور المراوغ لقصيدة الوعي، في هذا السياق، إلى القصيدة التي لا تفتح أبواب المعاني إلا لتغلقها، أو على الأقل تترك فرجة صغرى، لا تشبع منها العين المتقصية للظواهر الواضحة والحقائق المألوفة، أو حتى العين التي تألف التطلع إلى مرايا الشعر في شموسه النهارية، ولكن العين التي تختلس اللمح الذي تغوى به المواربة، خصوصاً من المنظور الغسقي للحظة التي يختلط فيها النور بالظلام، والملاك بالشيطان، حيث ندخل «ما بين» الثنائيات التي تدني بطرفيها إلى حال من الاتحاد، في رؤيا الأنا الصاعدة إلى السماء، حيث مملكتها المتوخاة، وحيث مبدأ الرغبة الذي يدفع هذه الأنا إلى ولوج الغياب الذي يفضي إلى الرؤيا التي تصعد بالقلب إلى قانا الجليل وإشراقة الحضور، مراوحة في «الما بين» حيث تتجاور الأضداد التي تتحول إلى أشباه، حيث نقرأ:

هذه الأغنية (القصيدة) هي تجسيد للوعي الإبداعي للذات المنشغلة بحضور العالم فيها، قدر انشغالها بتأمل وعيها لذاته، وفي ذاته، وذلك في فعل الانقسام المعرفي الخلاّق الذي يغدو به الوعي ذاتاً ناظرة وذاتاً منظوراً إليها، كأنها الوجه الذي يتأمل حضوره في مرآة، أو كأنها القرين الذي لا يكف عن محاورة، أو مراوغة، قرينه الذي هو إياه، أو الكائن الذي لا يفقد ظله، أو الشبح الذي ينوس في الفضاء، ناسجاً من إبرة الضوء - كالفراشة - زينة ملهاته، متولِّداً عن كينونته التي ترقص في نار مأساتها: نصف عنقاء، بين ضوء ونار وظلمة، ما بين البين نفسها في ثنائية: «الحضور» و «الغياب». والنتيجة هي أولى الخصائص النوعية لهذه القصيدة، حيث العنصر الدلالي، المهيمن والرئيسي، هو حضور الموت الذي تبسط دواله ومدلولاته شبكة حضورها على القصائد، مجسدة التأثير المزلزل للموت الذي كان محمود درويش، المؤلف المعلن، أقرب إليه من حبل الوريد، في عملية القلب المفتوح الحرجة التي خرج منها سالماً، وأرجو له دوام السلامة والعافية، ولكن بعد أن حَدّق في الهاوية المظلمة، متأملاً فيوريات (Furies) أو إيرينيات (Erinyes) الموت، محلّقة حوله، محيطة به، وهو يقف على ضفة النهر الذي ينقل ملاحه خارون (Charon) الفانين إلى حيث هاديس، رب العالم السفلي في الأساطير اليونانية القديمة، زوج برسيفونة، حاملة الميزان الذي يزن الذنوب، ملكة العالم السفلي الذي يأخذ اسمه من مَلِكه: هاديس.

هذه التجربة الرهيبة مع المرض تركت أعمق الأثر في وعي محمود درويش الإنسان، واللاوعي الإبداعي لمحمود درويش الشاعر. وقد تجلى التأثير الرهيب لهذه التجربة (التي لامست فيها الحياة الموت وكادت تغدو إياه) في الدواوين الأخيرة التي تصاعد فيها هاجس الموت دالاً، ملحاحاً، متعدد المستويات والأبعاد، وذلك في توتر إيقاعي، سرعان ما تتحول دواله إلى مدلولات تغدو دوالَّ بدورها، لا تكف عن التكاثر.

ولا غرابة - والأمر كذلك - أن تتحول التجربة إلى ديوان شعر كامل هو «جدارية محمود درويش» الذي يدور كله حول الموت المتربص بالحياة التي لا تملك سوى أن تصارعه بالإبداع الذي يهزم الموت، فينبعث الشاعر من بين براثن الموت كالعنقاء التي تتولد من رمادها، مؤكداً ديمومة الإبداع الذي يعني الحياة والتجدد والخصب والنماء. وكما أن الإبداع قرين الحياة في عنفوانها، وفي حضورها الذي ينفي الغياب، فالموت نقيض الحضور قرين الغياب: حيث العدم الكامل اللا هنا واللا زمان واللا وجود كلي الحضور، كأنه البياض المطلق، البياض الذي توحِّدنا النهاية فيه: بياض الكفن.
ويؤكد تكرار دال البياض فاعلية التناص التي تجمع ما بين استهلال جدارية محمود درويش، حيث البياض الذي يفترش مبتدى الجدارية، متمثلاً في الممرضة التي ترتدي البياض، والمريض المخدّر الذي يرتدي الأبيض في رقدته على منضدة العمليات البيضاء، يحمله جناح حمامة بيضاء إلى سقف غمامة بيضاء، إلى سماوات الأبيض المطلق.

وتكرار دال الأبيض، في هذا السياق الاستهلالي، يستدعي الاستهلال نفسه الذي تبدأ به قصيدة أمل دنقل التي يمضي مفتتحها على النحو الآتي:

في غرف العمليات،

كان نقاب الأطباء أبيض،



تاج الحكيمات أبيض، أردية الراهبات،

الملاءات،

لون الأسرّة، أربطة الشاش والقطن،

قرص المنوّم، أنبوبة المصل،

كوب اللبن.

كل هذا يشيع بقلبي الوهن

كل هذا البياض يذكّرني بالكفنْ!

وتكرار الدال نفسه بالغ الدلالة في وصله ما بين مفتتح قصيدة أمل دنقل الذي حمله خارون إلى عالم هاديس، حيث اللارجوع من عالم الموت الذي مضى إليه أمل، عليه رحمة الله، ومستهل جدارية محمود درويش التي لم يصل فيها إلى شاطئ هاديس، أو يدخل عالم الموت، إذ إنه جاء قبل الموعد المقدور له أو عليه، فعاد إلى شاطئ الحياة قبل أن يكمل عبور نهر الموت (الأخيرون) مرتدياً ثوب العافية، ليكمل رحلته إلى المعنى، عبر قصيدته الخضراء: لون الربيع الذي يعود مع شقائق النعمان، علامة آلهة وإلهات الخصب والمعرفة في الأساطير الوثنية القديمة.


<h1>هوامش للكتابة - الرؤيا الجديدة لمحمود درويش </h1>
<h4>جابر عصفور الحياة - 01/08/07//</h4>
<p>
<p>

<table width="-1" cellspacing="0" cellpadding="3" border="0" align="right" class="image">
<tr>
<td><img alt="" src="mahmoud_16.jpg_-1_-1.jpg" hspace="0" border="0"></td>
</tr>
<tr>
<td class="caption"></td>
</tr>
</table>يتميز شعر محمود درويش - في مرحلته الجديدة، ابتداء من «لا تعتذر عما فعلت»، و«لماذا تركت الحصان وحيداً؟»، و «سرير الغريبة»، و «جدارية محمود درويش» إلى «حالة حصار» و «كزهر اللوز أو أبعد» وانتهاء بنص «في حضرة الغياب» - بأنه شعر يلفت الانتباه إلى حضوره الذاتي، قبل أن تجاوزه العين إلى ما يقع وراءه من مشاهد، أو يشير إليه من وقائع وأحداث، فهو شعر وعي لا تجتليه العين القارئة إلا في علاقات الدوال التي تجذب بها القصيدة الانتباه إلى حضورها في أسطر من قبيل:</p>
<p>القصيدة «ما بين بين»:</p>
<p>وفي وسعها أن تضيء الليالي بنهدي فتاة</p>
<p>وفي وسعها أن تضيء بتفاحة جسدين</p>
<p>وفي وسعها أن تعيد</p>
<p>بصرخة غاردينيا</p>
<p>وطن.</p>
<p>فهي قصيدة تنطلق من مبدأ أنه على قدر حلمك تتسع الأرض، والأرض أمّ المخيلة النازفة، والمخيلة النازفة كالحلم كلاهما لا يعترف بالحدود العملية المنطقية بين الأشياء، ويؤثر الاستعارة على التشبيه، والبصيرة على البصر، والحدس على الاستنباط، وأخيراً يعرف كيف يسوس الصور المتأبّية على المدار المغلق أو النسق المقفول، ولذلك يصف صاحب هذه القصيدة إبداعه بقوله:</p>
<p>أمشي على هدى البصيرة، ربما</p>
<p>أعطي الحكاية سيرة شخصية، فالمفردات</p>
<p>تسوسني وأسوسها، أنا شكلها</p>
<p>وهي التجلّي الحر، لكن قبل ما سأقول</p>
<p>يسبقني غدٌ ماضٍ. أنا ملك الصدى</p>
<p>لا عرش لي إلا الهوامش. والطريق</p>
<p>هو الطريقة. ربما نسى الأوائل وصف</p>
<p>شيء ما، أحُرِّك فيه ذاكرة وحسّاً.</p>
<p>والأسطر تنبئ عن حضور التناص بصفته عنصراً تكوينياً أساسياً، عنصراً يجعلني أفهم عبارات من مثل «أنا ملك الصدى» أو «لا عرش لي إلا الهوامش» على أنها إعلان عن تناص القصيدة، وذلك بالمعنى الذي يجعل التناص تحولاً حراً ما بين أنساق سابقة وحاضرة، فلا يمكن حصره في علاقة (أو حتى علاقات) وحيدة البعد. إنه حركة مركَّبة في الخيال الخلاق للشاعر والقارئ معاً، حركة تنطوي على التوتر، مولّدة للعلاقات الخلافية التي تسوس الكلمات وتسوسها الكلمات في الوقت نفسه، بعيداً من أحادية الدلالة أو المعنى أو المقصد، فالتناص تخلّق لا حدود لتوليده، كأنه محاكاة لا تنفك ترجع القهقرى، مذكِّرة إيانا بما كتبه الروائي البريطاني الشهير لورنس داريل (1912-1990) عن أن كل كتابته اقتبسها عن الأحياء والأموات، حتى غدا هو نفسه حاشية فوق رسالة، لم تنته أبداً. والمسافة قريبة جداً بين دلالة «الحاشية» - في عبارات لورنس داريل – و «عرش الهوامش» أو مملكة الصدى في قصائد محمود درويش، لكن بالمعنى الذي لا يعلن «موت المؤلف» بل حضوره الفاعل بخياله الذي يتحرك فيه ذاكرة وحساً. ولذلك لا يتردد المؤلف المعلن - محمود درويش - في:</p>
<p>خضراء أرض قصيدتي خضراء</p>
<p>يحملها الغنائيون من زمن إلى زمن كما هي في</p>
<p>خصوبتها.</p>
<p>ولي منها: تأمل نرجس في ماء صورته</p>
<p>ولي منها وضوح الظل في المترادفات</p>
<p>ودقة المعنى.</p>
<p>...</p>
<p>ولى منها: حمار الحكمة المنسيّ فوق التل</p>
<p>يسخر من خرافتها وواقعها.</p>
<p>ولي منها: احتقان الرمز بالأضداد</p>
<p>لا التجسيد يرجعها من الذكرى</p>
<p>ولا التجريد يرفعها إلى الإشراقة الكبرى.</p>
<p>وقد حرصت على نقل المقطع – على رغم طوله - لأنه دال على إعلان فرحة الشاعر بإبداعه. وهي فرحة لا بد من أن نفهمها في سياق جداريته التي كتبها بعد جراحة وضعته في مواجهة الموت، ومنحته فرصة التحديق في وجه الموت، كما قال الفيلسوف كيركغارد (1813-1855) أو التحديق في عمق الوجود المظلم، والعلاقة وثيقة بين العبارتين اللتين لا تفارقان - على طريقة الخلف - عشق الحياة المقترنة بالخصوبة المتجددة واللون الأخضر الذي يفترش الأرض في الربيع الذي يأتي بعد الشتاء، أقصد إلى عشق الحياة التي يجتلي معها الشاعر صنعه كما يجتلي نرجس صورته المنعكسة على سطح الماء، وذلك في وضوح الظل الذي هو ضوء، ينسرب إلى المترادفات، غير مفارق دقة المعنى، ولكن لا بالدلالة التي تعيدنا إلى صورة الشاعر الرومانطيقي الذي:</p>
<p>«هبط الأرض كالشعاع السنيّ/ بعصا ساحر وقلب نبيّ».</p>
<p>بل تضعنا في حضرة وعي ساخر لا يفوته «حمار» الحكمة المنسي فوق التل، يفيد الشاعر من حمولته (هل هي إشارة إلى قوله تعالى: «كمثل الحمار يحمل أسفاراً»؟!) بما يدنيها إلى عالمه الذي هو عالمنا، هازئاً بخرافتها التي يحيلها إلى رمز محتقن بالأضداد، وذلك كله كي يؤسس قصيدة هي «الما بين» الذي يتوسط التجسيد والتجريد، جامعاً بينهما، بما يفر من الماضي (الذكرى) إلى المستقبل الذي قد يحمل بشارة الإشراقة الكبرى.</p>
<p>والإشارة إلى «الما بين» لها صلتها بوضوح الظل في المترادفات ودقة المعنى. وهي صلة تذكِّر بكلمات أبي حيان التوحيدي التي نقلها محمود درويش - في ديوانه «كزهر اللوز أو أبعد» - عن الليلة الخامسة والعشرين في كتابه «الإمتاع والمؤانسة»، حيث قال التوحيدي: «أحسن الكلام ما... قامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم». هل يلقي هذا الاقتباس ضوءاً على الحكمة المنسية فوق التل، أو المراوحة بين التجسيد والتجريد؟ أياً كانت الإجابة فإنها تلفت الانتباه إلى مباني القصيدة التي تؤثر السهل الممتنع، وتخاطب صاحبها كأنها النجوى، معتمدة على ضمير المتكلم الذي يغدو ضميراً للمخاطب في تجليات «التجريد» في البلاغة القديمة حيث تزدوج «أنا» المتكلم، فيصبح هو المخاطِب والمخاطَب في آن معاً، كما علَّمونا في تفسير قول الشاعر القديم:</p>
<p>«أتصحو أم فؤادك غير صاحٍ/ عشية هَمَّ صحبك بالرواح؟».</p>
<p>لكن تجريد محمود درويش لا يشبه التجريد القديم إلا في الشكل الخارجي، لأنه يجاوز التأمل الميتافيزيقي (الذي غزا القصائد الأخيرة) إلى حال وجود القصيدة الحاضرة كالغياب، أو غيابها الذي لا يفارق حضورها الملتبس، وذلك في مراوغة الدلالات (حمّالة الأوجه) التي لا تكف عن توليد المعاني وإطلاق سراح الدوال. ويشير الحضور المراوغ لقصيدة الوعي، في هذا السياق، إلى القصيدة التي لا تفتح أبواب المعاني إلا لتغلقها، أو على الأقل تترك فرجة صغرى، لا تشبع منها العين المتقصية للظواهر الواضحة والحقائق المألوفة، أو حتى العين التي تألف التطلع إلى مرايا الشعر في شموسه النهارية، ولكن العين التي تختلس اللمح الذي تغوى به المواربة، خصوصاً من المنظور الغسقي للحظة التي يختلط فيها النور بالظلام، والملاك بالشيطان، حيث ندخل «ما بين» الثنائيات التي تدني بطرفيها إلى حال من الاتحاد، في رؤيا الأنا الصاعدة إلى السماء، حيث مملكتها المتوخاة، وحيث مبدأ الرغبة الذي يدفع هذه الأنا إلى ولوج الغياب الذي يفضي إلى الرؤيا التي تصعد بالقلب إلى قانا الجليل وإشراقة الحضور، مراوحة في «الما بين» حيث تتجاور الأضداد التي تتحول إلى أشباه، حيث نقرأ:</p>
<p>في البال أغنية تتأرجح بين الحضور</p>
<p>وبين الغياب، ولا تفتح الباب إلا لكي توصد الباب...</p>
<p>أغنية من حياة الضباب</p>
<p>ولكنها لا تطيع سوى ما نسيت من كلمات.</p>
<p>هذه الأغنية (القصيدة) هي تجسيد للوعي الإبداعي للذات المنشغلة بحضور العالم فيها، قدر انشغالها بتأمل وعيها لذاته، وفي ذاته، وذلك في فعل الانقسام المعرفي الخلاّق الذي يغدو به الوعي ذاتاً ناظرة وذاتاً منظوراً إليها، كأنها الوجه الذي يتأمل حضوره في مرآة، أو كأنها القرين الذي لا يكف عن محاورة، أو مراوغة، قرينه الذي هو إياه، أو الكائن الذي لا يفقد ظله، أو الشبح الذي ينوس في الفضاء، ناسجاً من إبرة الضوء - كالفراشة - زينة ملهاته، متولِّداً عن كينونته التي ترقص في نار مأساتها: نصف عنقاء، بين ضوء ونار وظلمة، ما بين البين نفسها في ثنائية: «الحضور» و «الغياب». والنتيجة هي أولى الخصائص النوعية لهذه القصيدة، حيث العنصر الدلالي، المهيمن والرئيسي، هو حضور الموت الذي تبسط دواله ومدلولاته شبكة حضورها على القصائد، مجسدة التأثير المزلزل للموت الذي كان محمود درويش، المؤلف المعلن، أقرب إليه من حبل الوريد، في عملية القلب المفتوح الحرجة التي خرج منها سالماً، وأرجو له دوام السلامة والعافية، ولكن بعد أن حَدّق في الهاوية المظلمة، متأملاً فيوريات (Furies) أو إيرينيات (Erinyes) الموت، محلّقة حوله، محيطة به، وهو يقف على ضفة النهر الذي ينقل ملاحه خارون (Charon) الفانين إلى حيث هاديس، رب العالم السفلي في الأساطير اليونانية القديمة، زوج برسيفونة، حاملة الميزان الذي يزن الذنوب، ملكة العالم السفلي الذي يأخذ اسمه من مَلِكه: هاديس.</p>
<p>هذه التجربة الرهيبة مع المرض تركت أعمق الأثر في وعي محمود درويش الإنسان، واللاوعي الإبداعي لمحمود درويش الشاعر. وقد تجلى التأثير الرهيب لهذه التجربة (التي لامست فيها الحياة الموت وكادت تغدو إياه) في الدواوين الأخيرة التي تصاعد فيها هاجس الموت دالاً، ملحاحاً، متعدد المستويات والأبعاد، وذلك في توتر إيقاعي، سرعان ما تتحول دواله إلى مدلولات تغدو دوالَّ بدورها، لا تكف عن التكاثر.</p>
<p>ولا غرابة - والأمر كذلك - أن تتحول التجربة إلى ديوان شعر كامل هو «جدارية محمود درويش» الذي يدور كله حول الموت المتربص بالحياة التي لا تملك سوى أن تصارعه بالإبداع الذي يهزم الموت، فينبعث الشاعر من بين براثن الموت كالعنقاء التي تتولد من رمادها، مؤكداً ديمومة الإبداع الذي يعني الحياة والتجدد والخصب والنماء. وكما أن الإبداع قرين الحياة في عنفوانها، وفي حضورها الذي ينفي الغياب، فالموت نقيض الحضور قرين الغياب: حيث العدم الكامل اللا هنا واللا زمان واللا وجود كلي الحضور، كأنه البياض المطلق، البياض الذي توحِّدنا النهاية فيه: بياض الكفن.</p>
<p>ويؤكد تكرار دال البياض فاعلية التناص التي تجمع ما بين استهلال جدارية محمود درويش، حيث البياض الذي يفترش مبتدى الجدارية، متمثلاً في الممرضة التي ترتدي البياض، والمريض المخدّر الذي يرتدي الأبيض في رقدته على منضدة العمليات البيضاء، يحمله جناح حمامة بيضاء إلى سقف غمامة بيضاء، إلى سماوات الأبيض المطلق.</p>
<p>وتكرار دال الأبيض، في هذا السياق الاستهلالي، يستدعي الاستهلال نفسه الذي تبدأ به قصيدة أمل دنقل التي يمضي مفتتحها على النحو الآتي:</p>
<p>في غرف العمليات،</p>
<p>كان نقاب الأطباء أبيض،</p>
<p>لون المعاطف أبيض،</p>
<p>تاج الحكيمات أبيض، أردية الراهبات،</p>
<p>الملاءات،</p>
<p>لون الأسرّة، أربطة الشاش والقطن،</p>
<p>قرص المنوّم، أنبوبة المصل،</p>
<p>كوب اللبن.</p>
<p>كل هذا يشيع بقلبي الوهن</p>
<p>كل هذا البياض يذكّرني بالكفنْ!</p>
<p>وتكرار الدال نفسه بالغ الدلالة في وصله ما بين مفتتح قصيدة أمل دنقل الذي حمله خارون إلى عالم هاديس، حيث اللارجوع من عالم الموت الذي مضى إليه أمل، عليه رحمة الله، ومستهل جدارية محمود درويش التي لم يصل فيها إلى شاطئ هاديس، أو يدخل عالم الموت، إذ إنه جاء قبل الموعد المقدور له أو عليه، فعاد إلى شاطئ الحياة قبل أن يكمل عبور نهر الموت (الأخيرون) مرتدياً ثوب العافية، ليكمل رحلته إلى المعنى، عبر قصيدته الخضراء: لون الربيع الذي يعود مع شقائق النعمان، علامة آلهة وإلهات الخصب والمعرفة في الأساطير الوثنية القديمة

نسمـ،ــه
01-08-2007, 02:20 PM
التعبير الغنائي: من استظهار النص إلى التوحد به
محمد سعيد الريحاني
الغناء وأزمة التنظير الغنائي:

منذ البدايات الأولى، شعر الإنسان بضعفه وضآلته في هذا الكون اللامتناهي. وأدرك ضرورة تملك القوة كأداة تضمن له البقاء أولا ثم الباقي بعد ذلك. وأول أدوات القوة التي ابتكرها: السحر كسلاح يستمد فعاليته من العالم الخفي، من العالم الآخر. ولعل الأمر انتهى به إلى اكتشاف الغناء كشكل من أشكال السحر: سحر الطفل الباكي، سحر الحبيب اللامبالي، سحر القبيلة وتوحيدها على إيقاع أغنية واحدة أو نشيد واحد...

ولأن الغناء له مفعول السحر على عواطف الناس واتجاه تفكيرهم، فقد كان تاريخ الغناء صارما في تحديد مقاييس جمال الصوت المنفرد. ولكن هذا التاريخ، تاريخ الغناء، لم يخض في باقي مكونات الأغنية مما ترك الوعي الناقص بالشكل والوظيفة الغنائيتين ممتدا عبر الزمن. هذا الوعي الناقص الذي يمكن نعته بأزمة التنظير الغنائي كان أبرز ضحاياه: المغني.


مراتب المغنين:

المغني هو حلقة من الحلقات الأربع الضرورية لكل أغنية:

1. الشاعر: كاتب كلمات الأغنية.

2. الملحن: كاتب ألحانها.

3. الموزع: مؤلف الموسيقى المصاحبة للأغنية .

4. المغني: مؤدي النص الغنائي.

لكن صفة المغني داخل هذه الحلقات المتشابكة هي مراتب ثلاث ترتقي وتتدنى حسب الموهبة والتأطير وروح الإبداع. وهذه المراتب هي:

1. المغني: إنسان له طاقة صوتية تمكنه من محاكاة أغنية.

2. المطرب: مغني موهوب له القدرة على الإبداع داخل الأغنية ذاتها.

3. المبدع: منتج الأغنية ومؤ طرها فكريا وجماليا وإيديولوجيا أحيانا.

فالمبدع، مبدع الأغنية، يتربع على هرم المثلث لكونه يجمع بين القدرة على الغناء أحيانا وبين الإلمام بالإطار النظري والجمالي وحتى الإيديولوجي للأغنية. فرؤيته للأغنية شاملة (omniscient point-of-view). لكن قلة هم المبدعون الذين يؤدون نصوصهم الغنائية بأنفسهم مثل: محمد عبد الوهاب، فريد الأطرش، سيد درويش، سيد مكاوي، عبد الوهاب الدكالي، مارسيل خليفة...فالأغنية تفضل الانسحاب لفائدة صوت غنائي أفضل من صوتها كما كان يفعل: عبد السلام عامر، رياض السنباطي، زياد الرحباني، محمد الموجي، كمال الطويل، بليغ حمدي...

أما المغني فدون المبدع بكثير كون كل رأسماله هو طاقته الصوتية. إنه " حكاء" Imitator ، محض حكاء تعوزه القدرة على الارتجال الناجح داخل النص والتجارب مع حالة الجمهور...إنه مجرد صوت يحفظ أغنية عن ظهر قلب...

أما المطرب فيبقى أرفع مرتبة من المغني وأقدر على الأداء الغنائي الخلاق لجمعه بين الطاقة الصوتية والقدرة على الإبداع داخل النص ( ارتجال مواويل مثلا ).إنه فنان ينقش خصوصيته على فن المبدع وعلى الذوق العام للعصر...

وظيفة المطرب:

الطرب، كنشاط أرقى من الغناء، هو شكل من اشكال التعبير والجهر بالرأي وروحنته لدرجة يصبح فيها الرأي رأي الجميع، والإحساس إحساس الجميع. إن وظيفة المطرب هي إلقاء النص الغنائي مع إبداء الموقف من هذا النص من خلال الإيماءات الجسدية المعبرة والوضعيات الجسدية الوظيفية لاشيء يفسد النص الغنائي أكثر من سكونية المغني أو تحفظه أو لامبالاته أو جهله بأساليب التعبير الجسدي. إنها دليل شيخوخة أو كسل، وهي في الحالتين ليست من شيم المطرب الواعي برسالته الفنية المشترطة لتوحد المطرب مع أغنيته، أو ما يمكن تسميته " بالصدق الفني " فالمطرب إما أن يكون صادقا يغني تجربته وإحساسه وقدره أو اختياره، وإما أن يكون زائفا يغني عن مشاعر وأحاسيس واختيارات منسوبة إليه قسرا...لكن الصدق يقتضي جسدا رديفا للنص يرتجف لارتجافه وينقبض لانقباضه وينشرح لانشراحه:

‘’لن يستطيع مغني الأوبرا مهما أجهد نفسه في محاولات صوتية أن يصل إلى المتفرج محدثا عنده هزة من الدهشة، أي لن يجعل المتفرج يرى أعماق آلام الإنسان أو سعادته إذا كان مجرد مقلد، إذا لم يصنع لنفسه مجموعة مصورة من الصور المرئية داخله.’’

فريد يريك نيتشه

" إنسان مفرط في إنسانيته "

الجزء 1: كتاب العقول الحرة

(الترجمة العربية)، ص.117

لعل خير نموذج يمكنه أن ينير هذه النقطة هو أغنية’’ ياك اجرحي ‘’ للمطربة المغربية القديرة نعيمة سميح: هذه الأغنية التي كتبت ولحنت خصيصا لامرأة خارجة " للتو" من المستشفى لتغني ببحة صوتها وعياء مظهرها المعهودين، عن جرح...كل هذه المعطيات ساهمت في توحد المطربة لاحقا مع أغنيتها حتى صارت أغنية’’ ياك اجرحي ‘’ عند نهاية السبعينات، أغنية جرح كل النساء اللواتي اقبلن عليها حفظا وتقليدا بشكل منقطع النظير. ولا أدل على هذا الصدق الفني النادر في تاريخ الأغنية المغربية من كون هذه الأغنية، بعد مرور أكثر من ربع قرن من الزمن على تسجيلها، لم يجرؤ ولو مطرب واحد ذكر على إعادة أدائها .(reprise=) فقط المطربات الإناث ، المبتدئات والمتمرسات على السواء، هن من تقدمن في الماضي ولا زلن يتقدمن لأدائها بكل ثقل الصدق الفني الموروث عن مطربته الأصلية، نعيمة سميح.

تركيب:

الغناء نافذة للتعبير عن مكنونات الذات.لذلك فهو لا يمكن أن يكون معبرا إلا بواسطة ذات مغنية تستحضر التجربة المتغنى بها وتتوحد معها بحثا عن الصدق الفني الذي يرفعنا للأعالي وعن الصدق الوجودي الذي يعلمنا كيف نمارس تنظيراتنا وكيف نكون نحن، كيف نكون أنفسنا.

نسمـ،ــه
01-08-2007, 02:36 PM
ماذا يعني ان نربح فعليا ؟
مايكل البرت
نوفمبر 2006

قد يعني الربح كثير من الاشياء. قد يكون معناه اننا نظفر بـإنهاء حربا، او الغاء صندوق النقد او البنك الدولي. ويمكن ان يكون معناه ايضا ربح اجورا اعلى، وظروف عمل افضل، ومعلومات شفافة في مكان عملنا، او عمل ايجابي يثبت حقوق العرق او النوع، او قوانين تحافظ على التوازن البيئي، او، بالطبع، كثير من المغانم الاخرى العديدة.

ولكنني ارتاب ان السؤال المقصود هو، "ماذا يعني فعليا ان نربح عالم مختلف؟" واشك في انه بكلمة عالم مختلف المقصود هو عالم يترك وراءه العنصرية، والاستغلال الجنسي، والطبقية، والسلطوية، وتدمير التوازن البيئي، والعنف الدولي الذي صار مألوفا في العالم الحالي، وان هذا العالم يمتلك قيم فضلى عميقة مثل ترقية التنوع، والتحفيز على التضامن، والوصول الى الانصاف والعدالة، ونشر سلطة الادارة الذاتية لكل المواطنين، والتزاوج مع البيئة، وبلوغ السلام الدولي، وهلمجرا.

لو ان هذه هي النية من السؤال، اذا اعتقد ان ربح عالم مختلف سوف يعني الفوز بمنظومة من المؤسسات الجديدة تحل محل المؤسسات الرئيسية التي نعاني منها الان وتصبح تلك المؤسسات الجديدة قادرة على انجاز المهام السياسية، والثقافية والجنسية والاجتماعية والاقتصادية الضرورية للمجتمع بينما تزيد من القيم الايجابية التي نطمح اليها.

وهكذا الفوز بعالم مختلف سوف يعني الفوز بوسائل جديدة لاعراف التشريع، وتحكيم المنازعات، وتآسيس وتنفيذ المشاريع الاجتماعية المشتركة: حياة سياسية جديدة.

ولسوف يعني الفوز بوسائل جديدة من استيلاد وحضانة واستئلاف الاجيال القادمة في مجتمعات والعيش داخل عائلاتنا والاسر الاخرى والاستمتاع بطاقاتنا الجنسية والروحية: علاقات قرابة جديدة.

ولسوف يعني الانتصار ربح سبل جديدة لتأسيس والاحتفال واستكشاف هويات جماعية، سواء عرقية او عنصرية او دينية او اخرى: طوائف اجتماعية جديدة.

ولسوف يعني الانتصار كسب وسائل جديدة لانتاج سبل المعيشة، وتوزيع مخصصات استثمار الناتج وايضا استهلاكه: اقتصاديات جديدة.

في كل من هذه الميادين - السياسية، والنسب، والثقافية، والاقتصادية - نحن نعرف قدرا كبيرا مما هو جاري في العلاقات الحالية وعيوبها السلطوية، والجنسية، والعنصرية، والطبقية. بينما قدر ما نعرفه عن السمات التي سوف تجعل من العالم الجديد شيئا افضل واكثر جدارة ما زال اقل بشكل ملموس. الا اننا وحتى نحقق تقدما تنظيميا، نحتاج لمعرفة اكثر كثيرا بالامر الاخير، ونحتاج الى توصيل هذه المعرفة فيما بيننا بطرق ملهمة مناسبة لتوجيه وهداية نشاطنا المباشر.

اعمالي الخاصة سلطت الضوء على الاقتصاد وفي هذا الميدان، اقتصاد المشاركة، البديل المفضل عندي للرأسمالية، يقوم على اساس التزامات مؤسسية اربع.

اولا، الهياكل العريضة التي يساهم من خلالها الناس في الحياة الاقتصادية وعملية صنع القرار هي مجالس العمال والمستهلكين المتشابكة من النوع الذي رأيناه ينشأ عبر التاريخ عندما يبحث العمال والمستهلكين عن السيطرة على اقتصادهم الخاص بهم. كسمة اضافية مجالس الباريكون تدمج الادارة الذاتية كمنطق لعملية صنع القرار. يمارس الناس نفوذا على عملية صنع القرار بالقدر الذي يؤثر فيهم هذا القرار.

احيانا تتطلب الادارة الذاتية اسلوب صوت واحد لشخص واحد وحكم الاغلبية. واحيانا يمكن للادارة الذاتية ان تتطلب طريقة مختلفة للتصويت، او ان بعض الاقسام فقط من الجمهور الكلي يدلون باصواتهم، او ان اجماعا حول امر ما هو المطلوب. كل مثل هذه الخيارات هي تكتيكات للحصول على اصوات الادارة الذاتية لللاعبين الداخلين في عملية صنع القرار.

ثانيا، المكافأة في الباريكون تمنح بناء على المجهود والتضحية، وليس على عائد ملكية شخص ما او عمل شخص ما، وليست مقايضة مقابل السلطة ايضا. في الباريكون نحن نكسب اكثر اذا ما عملنا لوقت اطول، لو عملنا اعمالا شاقة، او ان عملنا كان في ظروف خشنة او تسبب الاذى. المكافأة تكون بناء على المدة التي نقضيها في العمل، وشدته، وخشونته التي نتحملها - وليس بناء على الملكية او السلطة او الناتج.

الباريكون يرفض فكرة ان شخص ما يجب ان يكسب بفضل انه يمتلك صكا ما في جيبه او جيبها. لا يوجد مبررا اخلاقيا لذلك ولا يوجد اي حافز يبرر ذلك. يرفض الباريكون ايضا اقتصادا متخلفا هابطا يحصل المرء فيه على ما يستطيع ان يأخذه، كما في عملية التبادل التي تتم من خلال الاسواق. وبشكل اكثر اثارة للجدل، يرفض الباريكون فكرة اننا يجب ان نستعوض من الاقتصاد الكمية التي ساهمنا بها فيه بواسطة عملنا الخاص. يفهم الباريكون ان ناتج عملنا الشخصي يعتمد على عوامل عدة لا نستطيع التحكم فيها: كون لدينا ادوات افضل او اسوأ، او ان عملنا يتم في بيئة اكثر انتاجية او اقل، او اننا ننتج اصناف اكثر او اقل قيمة، او ان لدينا صفات وراثية مميزة تزيد او تقلل من انتاجيتنا.

ثالثا، اقتصاديات المشاركة تحتاج الـى تقسيم جديد للعمل.

اذا ما كان لاقتصاد جديد ان يكسح الربح الخاص ومجالس ادارة الكوربوريشن الذاتية مع مبدأ المكافأة بناء على المجهود والتضحية، ولكنه في نفس الوقت نحتفظ بتقسيم الكوربوريشن الحالي للعمل، لن تكون القيم التي نلتزم بها متماسكة. ان يكون لدينا 20% من قوة العمل تحتكر العمل الذي يمنح المكانة والنفوذ بشكل واسع، 20% فقط تمارس العمل اللذيذ وان نترك 80% من قوة العمل في عمل اقل بهجة، كئيب روتيني خاضع، ذلك سوف يضمن بالتأكيد ان المجموعة الاولى - التي اسميها طبقة المديرين - تتحكم في المجموعة الاخيرة، او الطبقة العاملة.

حتى مع الالتزام الرسمي بالادارة الذاتية، المدراء، بفضل العمل الذي يؤدونه، سوف يدخلون في مناقشة كل قرار ويضعون اجندة النقاش، ويمتلكون المعلومات التي تتعلق بهذا المناقشات، ويملكون اعراف الاتصال التي سوف تتحكم في اطار المناقشة، ويسلبون بذلك الثقة والطاقة من الاخرين فلا يتمكنون من المساهمة في المناقشات بشكل كامل. العمال، في المقابل، وقد انهكهم واستنفذهم العمل الذي يؤدونه، سوف يأتون الى طاولة النقاش بلا حول ولا طول. سوف يتحكم المدراء لذلك في المخرجات وبما انهم يرون في انفسهم التفوق سوف يختارون في التوقيت المضبوط انه يجب ان يحصلوا على مكافآت اكثر لانفسهم، وان يتسيدوا ويتحكموا في عملية صنع القرار من خلال استبعاد واستثناء هؤلاء الادنى وان يوجهوا القرار الاقتصادي لمصالحهم الخاصة الحاكمة.

ما تسلط هذه الرؤية الضوء عليه، بكلمات اخرى، هو ان احد اصناف الطبقات التي توجد فوق العمال هي المالكين كما نعرف كلنا. بواسطة حق التملك يسيطر المالكون الرأسماليون على وسائل الانتاج، بما فيها سلطة استئجار وطرد عبيد الاجر. ولكن حتى مع انهاء هذا التقسيم الطبقي، مع انهاء حق التملك لوسائل الانتاج، بلا اي وجود للطبقة الرأسمالية، دروس هذا المنظور المستفادة هي ان ذلك لا يحقق بالضرورة القضاء على الطبقية.

هناك مجموعة اخرى من الناس تتحدد ايضا عن طريق موقعها في الاقتصاد، رغم اختلافها عن طبقة الرأسماليين، يمكنها ان تحقق لنفسها فعليا سلطة مكتملة وتعظم من مكانتها فوق اكتاف العمال. ولتجنب مثل هذا النوع من حكم طبقة المدراء بتمثيلهم لحوالي 20% من قوة العمل بسبب احتكارها لمواقع ومهام تمنح السلطة والنفوذ يجب ان نستبدل تقسيم عمل الكوربوريشن المعتاد بمقاربة جديدة تحدد ادوار العمل. تسمي الباريكون هذا الالتزام المؤسسي الثالث بمركب الوظيفة المتوازنة.

كل واحد منا ممن يعمل في بعض الوظائف، في اي مجتمع على اطلاقه، سوف يقوم من حيث التصنيف بتأدية مجموعة من الاعمال. لو استخدم الاقتصاد تقسيم الكوربوريشن للعمل، مع ذلك، اذا بالنسبة لعشرين بالمائة منا سوف تتجمع اعمالنا في وظيفة تمنح بشكل كبير السلطة والنفوذ ومن المرجح جدا سوف تضفي على حياتنا جودة اعلى من المتوسط لحدود بعيدة، بينما لنسبة ثمانين في المائة منا سوف تتجمع اعمالنا في وظيفة بلا حول ولا طول ومن المرجح جدا سوف تضفي على حياتنا جودة اقل كثيرا من المتوسط. سوف تحصل طبقة المدراء السابقة على النفوذ والمكانة والسلطة وتصبح طبقة حاكمة في ذلك الاقتصاد. والطبقة العاملة سوف تظل بلا حول ولا قوة وتظل خاضعة.

في اقتصاد المشاركة، على النقيض من ذلك، نحن نجمع الاعمال في وظائف بطريقة تجعل كل شخص يشارك في الجودة العامة للحياة وتصبح له مكانة وسلطة في حدود الجودة العامة للحياة مثل الاخرين وفي كل وظيفة. لكل شخص متوسط خليط من الوظيفة المتوازنة. ليس لدينا مدراء وعمال خط تجميع، محررين وسكرتارية، جراحين وممرضات. هذه الوظائف التي يقوم بها هؤلاء اللاعبين تماما هي وظائف مستمرة في الباريكون، طبعا، ولكن الاعمال سوف توزع بشكل مختلف.

لذا بعض الناس يقومون بعمل الجراحات بينما اغلبهم لا، ولكن هؤلاء الذين يمسكون بالمبضع لعمل جراحة في المخ سوف يقومون ايضا بتطهير ملاءات السرر، ويكنسون الارضيات، او يساعدون في وظائف اخرى بالمستشفى. المكانة والبهجة الكلية التي تمنحها وظيفة الجراح سوف تتعدل باعادة خلط المهمات. هي الان تمتلك مركب من الوظيفة المتوازنة التي ترسل بنفس المكانة والنفوذ الكلي ومن المحتمل بشكل ما بنفس المتعة مثل الوظيفة الجديدة لشخص كان سابقا عمله يتحدد فقط في تنظيف الارضيات.

هيمنة ما اسميه انا طبقة المدراء على كل العمال سوف ينمحي ليس بواسطة انهاء المهمات التي تكسب المكانة والنفوذ، او بأن يفعل كل شخص نفس ما يفعله الاخرون، فكلا السيناريوهان ليس فقط سيناريوهات مجنونة ولكنها سيناريوهات مستحيلة، وليس بواسطة المبالغة في مدح العمل الروتيني الممل كعمل هام، فمن الميسور القيام به بل وانه حتى شائع تاريخيا، ولكن لانه بنيويا تقريبا عمل فارغ -- ولكن بواسطة توزيع المهام التي تمنح المكانة والعمل الممض الروتيني حتى ان كل اللاعبين الاقتصاديين يستطيعون المشاركة في الادارة الذاتية لصنع القرار دون اي ميزة تتفوق بهم على الاخرين او ميزة تعوقهم بسبب ادوارهم الاقتصادية.

اخيرا، ورابعا، ماذا لو اصبح لدينا اماكن للعمل وطوائف اجتماعية ملتزمة بمجالس للعمال والمستهلكين، وتستخدم اجراءات صنع قرار مدارة ذاتيا، ولديها مركب الوظيفة المتوازن، وتدفع مكافآت بناء على المجهود والتضحية، ولكن، اضافة الى هذه السمات، اخترنا التخطيط المركزي او اخترنا الاسواق لتقوم بدور توزيع المخصصات الاقتصادية؟ هل سوف يشكل هذا الامر رؤية ذات جدارة؟

بالتخطيط المركزي سوف يميز المخططون المركزيون عملهم بطابع وضع المفاهيم والتصميمات، ودون شك بمؤهلاتهم وشهاداتهم الاكاديمية وشهادات اخرى. سوف يسعى هؤلاء الناس الى ان يكون لهم وسطاء في اماكن العمل يمكنهم التعامل معهم وسوف يكونون مسئولين عن تنفيذ الخطة المركزية جبرا، اناس يحملون شهادات مماثلة لشهادات المخططين المركزيين ويتمتعون بنفس حقوق ذات طبيعة مهيمنة.

ديناميكيات التخطيط المركزي هي نزول التعليمات الى اسفل وصعود المعلومات حول امكانيات تطبيق هذه التعليمات الى اعلى، ثم هبوط التعليمات مرة اخرى بعد تعديلها ثم صعود معلومات اخرى، لتهبط التعليمات النهائية ليأتي الخضوع والطاعة من اسفل. هذا الهيكل للاوامر والقيادة هو هيكل سلطوي وما يستتبعه من تبعات طبقية هو ابتعاث لتمايز المدراء/العمال في كل مكان للعمل وفي كامل الاقتصاد، وبدوره ينتهك مكافأة الدخل المنصفة والادارة الذاتية كقيم. حتى التحليل الاولي للتخطيط المركزي ينبئ بأنه سوف يفكك افكارنا الجديدة الاخرى، بناء على نظرتنا العابرة لتاريخ التخطيط المركزي، ولهذا يجب رفض التخطيط المركزي بوصفه امر لا يناسب تخصيصنا المأمول للموارد.

والاسواق هي ايضا غير جديرة بالمثل، وانعدام الجدارة هذا اكثر اهمية لأن الاسواق تكتسب تأييدا اكبر في انحاء العالم وحتى بين اليسار. انا اكره التعامل مع الامراض والاوجاع التي تسببها الاسواق بايجاز غير عادل، ولكن ايضا الاطالة في الحديث عن الاسواق في مقالة قصيرة مثل هذه سوف يكون اجحافا ايضا، فعدم الاحاطة الشاملة الواجبة بشكل مخل تؤدي الى عدم عرض الفكرة دون تحقيق الانتباه الكافي لدقائقها. اجمالا، الاسواق تبخس سعر كل شيء لانها تضع في حسبانها فقط البائع والمشتري بينما تهمل الاخرين الذين يتأثرون بعمليات المقاصة داخل هذه الاسواق.

تخلق الاسواق مناخ سباق فئران حقير يغذي العداونية تجاه ما هو اجتماعي وبذلك تضمر قيمة التضامن. في التبادل داخل الاسواق ينتهي الطيبون آخرا. الاسواق تنتهك البيئة غاليا ليس فقط بسبب ان العوامل البيئية لا تدخل في حساباتها، ولكن بسبب ان تدمير البيئة بواسطة الاسواق يصبح حتميا، حيث ان البائعين يبحثون عن السبل التي تعاظم ارباحهم وتضمن نصيبهم في السوق في سياق يجعل تكلفة تدمير التوازن البيئي مرتفعة بوصفه دربا فعالا لتحقيق هذه الغاية.

تطلب الاسواق ايضا خفضا يدور في حلقة شريرة لتكلفة اماكن العمل من اجل توليد فوائض لتفادي الخروج من المنافسة، وذلك بدوره يتطلب قطاعا من قوة العمل تقرر سياسات خفض التكلفة هذه، قطاع يقوم بعمل طيب يحتاج الى ان يكون محصنا ضد الالام التي يسببها خفض التكلفة ذاك ويتعلم ان يتخذ مثل هذه القرارات بشكل عدواني رغم صنوف المعاناة الانسانية التي يفرضها القرار. كل ذلك يؤدي الى استعادة طبقة المدراء تلك.

الاسواق والتخطيط المركزي، وقد رفضناهما لكل هذه الاسباب واكثر، ما الذي نستطيع ضمه لاقتصادنا حتى ليحل محلهما كمكونات بديلة في اقتصاد المشاركة؟ الاجابة هي التخطيط التشاركي، وهو اسلوب للتفاوض بين مجالس العمال والمستهلكين بشكل جماعي وتعاوني حول المدخلات والمخرجات بالتوافق مع التكاليف والمنافع الاجتماعية الحقيقية والكاملة وبالتوافق مع صوت كل لاعب في الادارة الذاتية للاقتصاد.

تحظر علينا مساحة المقالة العرض الكامل لهياكل ومنطق التخطيط التشاركي والحوافز والدوافع التي تعمقه، والعديد من مواصفاته هذه منشور في موقع على الانترنت وفي كتب على اية حال. الحدود الدنيا لمطلب الاقتصاد التشاركي مع ذلك سوف تكون الجمع بين مجالس العمال والمستهلكين، وعملية صنع القرار المدارة ذاتيا، والمكافأة بناء على المجهود والتضحية، ومركب الوظائف المتوازن، وايضا التخطيط التشاركي، ليس فقط للوصول الى مجتمع بلا طبقات ولكن ايضا لاطلاق قيم التضامن والتنوع والانصاف. بل ان التخطيط التشاركي، لاقصى حد ممكن ودون انحيازات مسبقة، يعطي نصيبا لكل عامل ولكل مستهلك في مجال القرار الاقتصادي المدار ذاتيا.

اجمالا، الباريكون لا يخفض من الانتاجية ولكنه بدلا من ذلك يوفر حوافز كافية وسليمة تدفع للعمل. اقتصاد المشاركة لا ينحاز الى تطويل ساعات العمل ولكنه يسمح بالاختيار الحر بين العمل والراحة. انه لا يسعى وراء ما هو المربح بغض النظر عن اثر ذلك على العمال، وعلى التوازن البيئي، وحتى على المستهلكين، ولكنه يعيد توجيه الناتج نحو ما هو مفيد حقا وحميد حقا في ضوء التكلفة والمنافع الاجتماعية والبيئية الكاملة.

اقتصاد المشاركة لا يهدر المواهب الانسانية للناس الذين يقومون الان بعمل الجراحات الدقيقة والعامة، او يقومون بالتأليف الموسيقي، او غيرها من الاعمال الصعبة والتي تتطلب مهارات عالية في العمل، اقتصاد المشاركة لا يهدر مواهب هؤلاء عندما يطلب منهم بالقيام بمهام اقل جاها واقل سلطانا اضافة لما يقومون به، ولكن هذه المتطلبات تطفو على السطح بمخزون هائل لمواهب كانت مطمورة سابقا في جمهور السكان في الوقت الذي تخصص حصص من العمل يمنح كلا من الجاه والنفوذ والعمل الشاق الرتيب الممل لكل فرد ليس فقط بشكل عادل ولكن بالتوافق مع ادارة ذاتية تامة وحقيقية ولا طبقية كاملة وحقيقية.

الباريكون لا يرى في المواطنين الاقل سموا امرا محمودا اجتماعيا ولكنه بدلا من ذلك يخلق سياقا مؤسسيا يمضي فيه قدما حتى الناس الذين نشأوا يسعون في الدنيا ولا يرون غير مصلحتهم الذاتية ولا يرحبون بالمشاركة الاجتماعية ويضطرهم الى الاهتمام بمصلحة المجموع من اجل الصالح الاجتماعي العام ورفاهية الاخرين.

لهذه الاسباب والعديد غيرها اعتقد ان الباريكون هو جزء مما سوف يعنيه ان نكسب عالما جديدا، وعندي امل اننا سوف نستطيع قبل مضي زمن طويل ان نستوعب في فهمنا لاهدافنا برؤى محددة مقارنة لرؤيتنا الاقتصادية تلك للحياة السياسية التشاركية، والثقافة وعلاقات النسب وبالتالي الاجابة بالضرورة وبشكل ملهم على سؤال "ماذا تريدون"، وبالتالي تهدئة مخاوف منتشرة وتعيش في احباط ويأس من انه ليس هناك بديل افضل. اعتقد ان اكتمال مثل هذه الرؤى سوف يضعنا على طريق اجابة سؤال، "ماذا يعني ان ننتصر"، ليست اجابة افتراضية، ولكن اجابة انتصار حقيقي، ثم بعدها نرى فيما سوف يعنيه ان ننحقق ذلك بأم اعيننا.

نسمـ،ــه
22-08-2007, 03:36 PM
الفلاسفة والحب (2 من 3)

"هندسة العواطف"أو "اشتهاء الوعى لذاته"



د. سعيد بوخليط *

فرقت النظرية الديكارتية أيضا بين الحب الذى يتميز ببعده الفكرى والبرهانى المحض، عن النموذج الآخر الذى يتحدد بكونه نزوى أو حبا حسيا. تمايز الحب/الذهنى عن الحب/العاطفى ينسجم ويتوافق بلا شك مع ثنائية ديكارت الأساسية بخصوص الجسد والروح: "أكون فى الحب الذهنى شفافا لنفسي، الوعى بشعورى واضح على الوجه الأكمل. وفى الحب ـ الوجد، أبقى جزئيا معتما عن نفسى فى نطاق كون بعض مشاعرى تأخذ منبعها داخل الجسد" "ص 61". إلا أنه بالرغم من كل التظيرات الفلسفية، فإن الحب الأصيل والحقيقى الذى عرفه ديكارت Descartes فى حياته، يظل عالقا بعشقه الأبوى لابنته فرانسين Francine التى توفيت سنة 1640.

أما أحاديث الحب عند فيلسوف آخر هو سبينوزا Spinoza، فليس من الضرورى أيضا عزلها عن الإطار العام لفكره أى "هندسة العواطف" كما فهمها فى مقدمة "إتيقا" L\'Ethique : "لا إدراك الإنسان فى الطبيعة كإمبراطورية فى إمراطورية، ولا الرغبة فى انفعالات الناس أو السخرية منها. ولكن توخى معرفتها، على طريقة المهندسين: "أعتبر الأفعال والشهوات الإنسانية، يكتب سبينوزا كما لو كانت مسألة خطوط ومساحات وكذا مجسمات". فالفيلسوف سعى إذن إلى وضع منطق للانفعالات" "66/67".

إذا كان ديكارت، قد دفع فى كتابه :le traité des passions بالانفعالات إلى أن تبلغ ستة هي: "1" الحب "2" الكراهية "3" الرغبة "4" السعادة "5" الخوف "6" الإعجاب. فإن سبينوزا اخsتزلها إلى ثلاثة فقط : "1" الرغبة "2" السعادة "3" القلق. مشكلة باشتقاقاتها وتحولاتها انفعالات وعواطف أخرى، ليقوم الإحساس بالحب مثلا انطلاقا من شعور نفسى إسمه السعادة، حيث لا يمكن فهم الأول دون الثاني: "السعادة هى انتقال الإنسان إلى مرحلة فى غاية الاكتمال". نرى فى أى منظور يندرج الحب، ونحن نقوم داخل السعادة: منظور الفعل نفسه، حينما سيكون الحب انفعالا" "ص68". ولا تفهم السعادة بدورها إلا عبر تحديد الرغبة : "أو اشتهاء وعى لذاته" لأن الرغبة نفسها ماهية للإنسان" وقبل أن يكون الإنسان كائن معرفة، فهو كائن للرغبة" "ص68".

تحدث سبينوزا عن الحب على طريقة ديكارت: "التمتع بشيء والتوحد به تبعا لطبيعة هذا الشيء الذى يتوخى الإنسان الالتحام معه والتلذذ به" "ص 69/70". من بين ذلك نجد فصل الأشياء القابلة للتلف، ثم تلك المستمرة، من هنا حب الله الذى يمر أولا بمعرفة وحب الذات.

ميز سبينوزا بين نوعين من الحب: الحب الحسى الذى يتغير بسهولة إلى كراهية، وحب الروح باعتباره فكرة عن الجسد، بناء على وحدة سبينوزا الأساسية بخصوص وحدة الروح والجسد. أما حب الرجل الحقيقى للمرأة، فمن الضرورى أن تكون له كعلة أساسية ليس الجمال وحده، ولكن الحرية الباطنية. كتب سبينوزا فى رسالة إلى هيغو بوكسيل Hugo Boxel محددا وجهة نظره بخصوص فهمه للجمال: "ليس الجمال، سيدي، بخاصية لشيء موضوع تأمل، غير ذلك التأثير الذى يثيره فى من يتأمله. إذا كانت عيوننا أكثر قوة أو ضعفا، ثم بنية جسدنا غير ما هى عليه الآن. فإن الأشياء الجميلة قد تغدو عندنا بشعة والعكس صحيح. حينما نشاهد أجمل يد من خلال الميكروسكوب، تظهر بالتأكيد فظيعة" "ص 71".

يتطابق الحب ببساطة مع ما نتوخى وننتظر منه أى باعتباره حضورا مهدئا أو acquiescentia فى قاموس سبينوزا . ما يهم هو: "حضور الشيء المعشوق، تتقوى سعادة العاشق أو على الأقل تتم تغديتها، لذلك فهو منشرح" "ص 71".

وسنجد أيضا هذه acquiescentia بخصوص الحب الذهنى لـ الله : " فى الكتاب V "..." حينما لا يكون هذا الحضور المهدئ مرتبط قط بكائن مفرد ومنتهي، ولكن بانصهارنا كليا فى الطبيعة "...". حب الله الذهني، شكل نهائى للغبطة، أو بالضبط سعادة مطلقة مستقلة عن كل إقرار بأى عامل خارجي. بمفاهيم أخرى، ننزع ما هو خاص أو خارجى لكى نحتفظ بالسعادة كتأثر فعال، ثم نحولها إلى سعادة مجردة . وهى لن تقوم بشكل محض إلا إذا أحدثها كائن وحيد "...". ماذا يعنى هنا حب الله عند ذلك الذى أبعدناه طويلا وزالت حظوته لأننا اعتبرناه فيلسوف ملحد؟ حب الله، هو عشق لنفسك كجزء نشيط فى الطبيعة" "ص 71".

إن الذين يفهمون الحب باعتباره إرادة للعاشق لكى يتوحد بالشيء المعشوق، يخلطون حسب سبينوزا فى تصورهم بين الماهية والخاصية: "أبسط ميزة، هى تلك الإرادة الديكارتية "..." فى حين تكون الماهية شيئا مثل أن تجعل فى جدول السعادة تجربة العلة الخارجية" "ص 72". وبالتالى قد لا يدركون جيدا ماهية الحب.

إذا كان ديكارت قد عرف الحب باعتباره إرادة باطنية للالتقاء. فإن سبينوزا اختار مقاربته بناء على عنصر خارجي، لأن الحب سعادة أو بهجة تترافق مع فكرة علة خارجية. لذا سعى إلى تحديد مفهومى لهذا الشعور المضطرب المتعلق بقوة موضوعية تقودنى إلى لحظة الحب. يكون العاشق فرحا وسعيدا لكنه قد لا يعرف معنى الحب؟ أو لماذا نحب بالأحرى هذا الشخص، مما يعطيه إحساسا بالاضطراب.

أى اختلاف أو تقاطع بين سبينوزا وديكارت؟: " ديكارت وبعد أن تجاوز اعتراف الفكرة الطفولية، فقد ثمن الذات العاشقة التى تكون سيدة نفسها وكذا اختيارها، ثم تحدد إراديا استنادا على الفهم الذى يملى عليها الموضوع المعشوق، من خلال العقل. لذلك، استبعد ديكارت خارج النسق إمكانية تقدير دواعي. أما سبينوزا، ولأنه يتوخى بالتأكيد التجاور، فقد أدرج الموضوع تقريبا فى نسق الانفعالات. ظل ديكارت عند وحدة الذات المفكرة.

سبينوزا، أراد التفكير فى الحب كتأثير للآخر. اشترط ديكارت قوة روح الذات l\'ego، فى حين سعى سبينوزا، فهم هذا "الأكثر قوة مني". بقدر صحة، كون الناس يعتقدون بحريتهم حينما يدركون أفعالهم ويجهلون العوامل التى تؤثر فيها "الإتيقا III". ما ينتقده أساسا سبينوزا عند ديكارت بهذا المنظور الجديد ـ وهو ما يمكن فهمه عبر هذا المفهوم الآخر للحب ـ هى الكيفية التى يدرك بها وحدة الجسد والروح. مقابل الثنائية الديكارتية، التى طرحت الإشكالات المستعصية بخصوص التواصل بين الجوهرين، حيث حاول ديكارت معالجتها بفرضية مسماة "سرية" عند سبينوزا عن الغدة الصنوبرية وأرواح حيوانية "الإتيقا V". أكدت السبينوزية على وحدة تكاملية بين النفس والجسد دون أى تواصل آخر بين الجوهرين غير "التوازي"، يتعلق كل شيء فى إطارها بوجهة النظر المتبناة : "الروح والجسد شيء واحد، نتصوره تارة تحت محمول الفكر، ومرة من خلال الممتد" "الاتيقا III". لا يتعلق الأمر، إذن حسب سبينوزا القول بأن بعض العوامل العاشقة تتعلق بالروح وأخرى تقوم على الجسد" ص 72/73".

حينما ننتقل إلى كيفية اشتغال تيمة الحب داخل خطاب فيلسوف من نوع خاص هو بليز باسكال Blaise Pascal، ساعيا إلى تجذير مطلق لحضور أولانى ل الأنا انطلاقا من سؤال ما هى الأنا؟ قلت بمنطقه ذلك نخلص إلى استحالة أنطولوجية لكى نحب شخصا ما لأنه بعد وقبل كل شيء لا نحب إلا شيئا ما فى هذا الشخص.

يبحث باسكال Pascal عن ماهية وجوهر لـ الأنا، وفق نظرة تبئيرية، تؤكد على هذا الانزلاق القدرى إلى انتفاء حب أى شخص فى ذاته ولذاته ولو توخينا ذلك.

لا يمكن القبض على الأنا أو معرفتها، مما يعنى أيضا كوننا لا نعرف الحب. فالحب ليس ذو طبيعة معرفية، كما أن القلب يختلف عن العقل، هناك إمكانية للحب وليس للمعرفة. الحب الإنسانى مستحيل من هنا ضرورة الحب الإلهي، حيث تظهر حقائق القلب باعتبارها "حقائق الدين". الجوهرى فى الحب أن يكون وسيلة من أجل معرفة الأنا، لكن نلاحظ بأنه يقوم على الجمال وحده، ولا يعرف شيئا عن هذه الأنا. لذا : " تلازم قضية مستقبل الحب تبعا للظروف كل العقول: إذا وقعت لى حادثة فى يوم ما، فحدث لى تشوه، أو إعاقة ثم تشللت: هل ستحبيننى دائما؟ إذا كان نعم، ما هو الشيء الذى يلزمك دائما لكى تعشقينني؟ إذا كان لا، ما الذى أحببته فى ذاتى إلى غاية الآن؟" "ص 81".

ماذا نحب حقيقة. إننى هذه الأنا، لكن أى حيز لها باعتبارها جوهر لماهية الحب: "أين إذن هذه الأنا؟" كعلامة على التضايق أو الحزن، حزن مفتقد، ذات غير موجودة: ضد ديكارت دائما، فإن الأنا لا يمكن تعريفها باعتبارها وحدة بين الروح والجسد. إن استدلال باسكال Pascal، وقد أخذته دوامة من الأسئلة تفتقد إلى أجوبة، يظهر هنا شيئا ما أكثر صعوبة مما سبق.

يقوم فى الواقع، بأكمله على تناقض يتعذر تجاوزه : إما أحب شخصا لمظهره، ولا أعرف أى شيء عن جوهره، أو قد أحبه لذاته دون معرفته حقا لأنه ليس بإمكانى معرفة غير مظهره.

إذا عشقت، أحب هذا الرجل أو تلك المرأة، لكن من هو أو من هي، غير ما هو حاضر الآن؟ نجد أنفسنا إذن أمام ما سماه جون براون Brun : "وضعية محدودة". "ما معنى عشق شخص ما، غير عشق صفاته التى تثيرنا، والتى هى عابرة، حيث لا تؤسسه بشكل حقيقي؟ "..." حب كهذا، لا يتوجه إلى الآخر باعتباره كذلك ولكن فقط لأنه هذا أو ذاك" " "ص 82/83". لكل شخص أناه، لكن لا فرد له الأنا ذاتها : " السؤال "ما هى الأنا؟" ليس هو سؤال "من أنا؟ ". ليست الأنا هى "الذات" ولا "الذات" الديكارتية كذات عقل كونى ولا "ذات" أوغسطين "الاعتراف" أو مونتين "الرسالة". مع الأنا، إجمالا نبحث عن ماهية الفردي، كونية الخصوصي، والذى هو بالتحديد غير موجود ... . هذا السؤال البسيط والأساسي، تبدأ من خلاله رؤية كل الحمولة التدميرية" "ص 79".

بالانتقال من ديكارت إلى باسكال Pascal، نلاحظ هذا الانزياح القوى من تمركز أنطولوجى للذات، إلى أخرى تلاحق إراديا مدارات لا تمركزها.

* كاتب مغربى فى قضايا الثقافة.